يبدو أن هناك إجماعًا شبه كامل في عالمنا المعاصر على أن السمنة وباء عالمي يجب محاربته. حيث تصف منظمة الصحة العالمية السمنة بأنها "تراكم غير طبيعي أو مفرط للدهون يشكل خطرًا على الصحة"، وتتصدّر الأخبار والكتب والندوات حول "الحرب على السمنة" المواقع الصحفية والمجلات العلمية ومنصات التواصل الاجتماعي. كما تُنفق المليارات سنويًا على برامج إنقاص الوزن، وتُنشر آلافُ الكتب حول الحميات الغذائية، وتُطلق حملات التوعية الصحية التي تحذّر من مخاطر الوزن الزائد. ففي الولايات المتحدة وحدها نُشِر أكثرُ من 2000 كتاب عن إنقاص الوزن في الأشهر الستة الأولى من عام 2011، أي بمعدل 11 كتابًا في اليوم. وهو ما يجعلنا نضع تساؤلنا التالي: هل كانت هذه النظرة السلبية للجسد الممتلئ هي السائدة دائمًا عبر التاريخ؟
عند تتبّع تاريخ المواقف الثقافية تجاه السمنة، نكتشف أن تحولًا جذريًا قد طرأ على هذه النظرة مطلع القرن العشرين، كما يؤكد المؤرخون الاجتماعيون. فما هي القصة الكامنة وراء هذا الانقلاب؟ وكيف تحوّل ما كان يُعدّ يومًا رمزًا للثروة والجمال والصحة إلى وصمة عارٍ مرضية وتشوّه جمالي؟ لم يكن هذا التحوّل مجرّد تطوّر طبيعي في المعرفة العلمية فحسب، بل هو نتاج لتغيّرات اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة أعادت تشكيل علاقة الإنسان بجسده وبالطعام.
ويتجلّى هذا التغيير الدراماتيكي في شهادات تلك الفترة؛ حيث تروي الكاتبة الأميركية إيديث لوري عام 1920 كيف كان بإمكان المرأة "أن تسمن وتهرم في سلام" حتى عام 1900. لكنها تضيف أنه "بعد عقد من الزمن بدا أن هناك من يقول دائمًا: لماذا لا تنحفين؟ ولم يمض وقت طويل حتى استشرى السؤالُ ليطال الجميع: لماذا لا تنحف؟".
الجسد الممتلئ: رمز الخصوبة والثراء
في عصور ما قبل التاريخ، حيث كان شح الغذاء هو القاعدة، كانت السمنة نادرة بل شبه مستحيلة، ولذلك قُدّرت كرمز للبقاء والخصوبة. وخير دليل على ذلك هو اكتشاف "تماثيل فينوس" التي تعود إلى العصر الحجري القديم الأعلى 38 ألف إلى 14 ألف ق.م، وهي منحوتات صغيرة لنساء بدينات اكتُشفت في جميع أنحاء أوروبا. ويرى باحثون مثل ريتشارد جونسون وزملاؤه أن هذه التماثيل، التي تصور السمنة بشكل دقيق ومُلاحظ، ربما كانت "رموزًا للبقاء" في مواجهة التغيرات المناخية القاسية، إذ كانت القدرة على تخزين الدهون ميزة تطورية حاسمة لضمان البقاء على قيد الحياة والقدرة على الإنجاب.
استمرّ هذا التقدير للبدانة سائدًا في العديد من الثقافات القديمة وعبر العصور الوسطى. ففي كثير من المجتمعات القديمة، كان الجسد الممتلئ، لا سيما لدى النساء، دليلًا ملموسًا على الثروة والرخاء والمكانة الاجتماعية الرفيعة. كانت القدرة على الأكل حتى الشبع امتيازًا مقتصرًا على الطبقات العليا. وكما يوضح المؤرخ جارابيد إكنويان: "إن ندرة الطعام عبر معظم التاريخ أدت إلى دلالات على أن السمنة كانت جيدة، وأن البدانة وزيادة اللحم كانت مرغوبة، وهو ما انعكس في الفنون والأدب والرأي الطبي في تلك الأوقات".
وفي الأدب العربي الكلاسيكي، يتجلّى هذا التقدير بوضوح، حيث كانت المرأة المثالية توصف بصفات تدل على الامتلاء كدليل على الجمال والرخاء. فالشعراء، وعلى رأسهم شعراء المعلقات، تغزّلوا في المرأة "الريّا الروادف" (أي الممتلئة الأرداف) و"خرساء الأساور"(وهي البدينة التي يمتد امتلاء جسدها حتى الرسغ، فيمنع ارتطام الأساور فلا يسمع لها صوت). ولعل أبرز الأمثلة ما قاله الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم في معلّقته، متغزلًا: "ومَأْكَمَةً يَضِيقُ البابُ عَنْها.. وَكَشْحاً قد جُنِنْتُ به جنونا"، وهو وصف يدل صراحة على الحجم الممتلئ الذي كان يعتبر مدعاة للغزل والافتخار. وفي أوروبا العصور الوسطى، كان الرجال الأثرياء يفخرون ببطونهم البارزة كعلامة على نجاحهم وقدرتهم على العيش برفاهية. حتى في الفن، نجد أن لوحات عصر النهضة تصور أجسادًا ممتلئة كمعيار للجمال والصحة، بعيدًا كل البعد عن النحافة المفرطة التي تسود معايير الجمال اليوم.
إن هذا الدعم الثقافي للبدانة ليس استثناءً، بل هو القاعدة التاريخية؛ ويؤكد ذلك ما توصل إليه الباحث بيتر براون في دراسة شاملة استند فيها إلى بيانات أنثروبولوجية ومعلومات إثنوغرافية لأكثر من 300 مجتمع. فقد أظهرت النتائج أن "الرغبة في السِمَن أو الامتلاء موجودة في 81% من المجتمعات البشرية" التي توفّرت بشأن تفضيلاتها المعلومات، وهي نسبة ساحقة تضع المعايير الحديثة في موضع التساؤل. كما أشار براون إلى أن المعايير الثقافية للجمال تقع غالبًا في الحيز المتوسط، فلا يوجد مجتمع – ضمن البيانات المتوفرة – يعتبر السمن المفرط نموذجاً مثالياً للجمال.
بداية التحول: الطب والأخلاق
على الرغم من هذا التقدير العام، لم تكن النظرة إلى السمنة إيجابية بالكامل. ففي التراث الطبي اليوناني، حذّر أبقراط من مخاطر السمنة المفرطة، وربط بينها وبين قصر العمر وضعف الصحة. وقد تبنى الأطباء المسلمون هذا النهج وطوروه بشكل ملحوظ، مقدمين رؤى طبية متقدمة سبقت نظيرتها الأوروبية بقرون عديدة.
ففي القرن العاشر الميلادي، خصص ابن سينا في كتابه "القانون في الطب" فصلًا كاملًا لـ"مساوئ السمنة المفرطة"، حيث ناقش أسبابها وعواقبها الصحية. وقبله، قام محمد بن زكريا الرازي في كتابه الموسوعي "الحاوي في الطب" بتقييم نقدي لكل المعارف المتاحة عن السمنة في عصره، مناقشًا آراء العلماء الذين سبقوه مثل أبقراط وجالينوس، مبرزًا النقاط التي كان له فيها رأي مختلف. وقدم الرازي علاجات شاملة تتضمن الحمية والتمارين والتدليك والعلاج المائي وتغيير نمط الحياة، موثقا نقاشه بتقارير حالات سريرية لمرضى عالجهم بنجاح.
وفي القرن الثالث عشر، قدم ابن النفيس في كتابه "الموجز في الطب" ملاحظات طبية مذهلة، حيث ربط بشكل واضح بين السمنة المفرطة وأمراض القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي. بل إنه ميّز بين أنواع السمنة المختلفة، مشيرًا إلى وجود نوع من السمنة الخلقية، وهو تمييز لم يصل إليه الطب الأوروبي إلا بعد قرون. وقد وصف ابن النفيس كيف أن السمنة المفرطة "قَيْدٌ على الإنسان يحد من حريته في الأفعال ويُضيّق روحه"، وحذّر من خطر الموت المفاجئ بسبب تمزق الأوعية الدموية أو النزيف في الدماغ أو القلب.
إلى جانب الطب، لعبت الأخلاق الدينية دورًا في ذم الشراهة. ففي المسيحية، اعتبرت الشراهة إحدى الخطايا السبع المميتة، وربط رجال الدين بين الإفراط في الأكل والانحلال الأخلاقي. وفي الإسلام، حثّت النصوص الدينية على الاعتدال في الأكل والشرب، وذم الإسراف، مع التأكيد على أن "ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه". ومع ذلك، كان هذا الذم موجهًا في الغالب إلى سلوك الشراهة والإسراف وليس إلى حالة البدانة في حد ذاتها، فقد كان التمييز واضحًا بين من يسرف في الطعام اختيارًا ومن يكون بدينًا بطبيعته أو بسبب ظروف صحية.
من القبح إلى المرض
التحول الجذري والحاسم في النظرة إلى السمنة حدث في الغرب في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. يحدد المؤرخ بيتر ستيرنز الفترة بين 1890 و1910 كحقبة حاسمة شهدت ولادة "هوس" معاصر بالنحافة. يجادل ستيرنز في كتابه "تاريخ السمنة" (Fat History) بأن هذا التحول ارتبط بنمو ثقافة الاستهلاك، وزيادة مساواة المرأة، وتغير الأدوار الاجتماعية والجنسية. لقد تحولت السمنة من رمز للصحة والرفاهية إلى علامة على الاضطراب الأخلاقي والنفسي والجسدي.
في هذه الفترة، بدأت شركات التأمين على الحياة في ملاحظة وجود علاقة إحصائية بين زيادة الوزن وزيادة معدلات الوفيات، مما أضفى على السمنة بُعدًا اقتصاديًا خطيرًا. وبدأت تظهر جداول الوزن "المثالي" التي تحدد ما يجب أن يكون عليه وزن الشخص بناءً على طوله وعمره. وللمرة الأولى في التاريخ، أصبح الوزن رقمًا يمكن قياسه ومراقبته ومقارنته بمعايير موضوعية، مما حوّل الجسد إلى موضوع للمراقبة والانضباط.
بالتزامن مع هذا التغيير، وكما يوضح المؤرخ جورج فيجاريلو في كتابه "تحولات السمنة" (The Metamorphoses of Fat)، شهدت عشرينيات القرن العشرين ثورة في عالم الموضة، حيث أصبحت النحافة هي المعيار السائد لكلا الجنسين. أصبح الجسد النحيل يرمز إلى الحداثة والشباب والانضباط الذاتي والتحكّم في الرغبات، في حين أصبح الجسد البدين يرمز إلى الكسل والتهاون والتخلف عن ركب العصر. وقد ساهمت صناعة الموضة وهوليوود بشكل كبير في ترسيخ هذه المعايير الجديدة، إذ أصبحت النجمات النحيفات هن النموذج الذي تسعى النساء لتقليده.
لم يتوقف التغيير عند المعايير الجمالية؛ فمع حلول منتصف القرن العشرين، اكتسبت السمنة صفة أكثر خطورة، حيث أصبحت تُصنَّف رسميًا كمرض مزمن ذي عواقب صحية وخيمة، تمتد من أمراض القلب والسكري إلى ارتفاع ضغط الدم والسرطان. بهذه النقلة، انتقلت السمنة من مسألة جمالية محفوفة بالوصم إلى حالة تتطلب تدخلًا طبيًا عاجلًا. وكما لخص المؤرخ إكنويان بدقة: فإن ما كان يُنظر إليه كـ«جيد» (تاريخيًا) أصبح «قبيحًا» (جماليًا) ثم تحوّل بشكل نهائي إلى «سيئ» (طبيًا).
الجسد تحت المراقبة
في واقعنا المعاصر، باتت هيمنة الثقافة التي ترى في الجسد مشروعًا يستلزم الإدارة والتحكم المستمرين أمرًا لا مفر منه. أصبحت مفاهيم الوزن والسعرات الحرارية والدهون موضوعًا للمراقبة الدائمة، ليس فقط من قبل الهيئات الطبية، بل من قبل الأفراد أنفسهم أيضًا. فتطبيقات الهواتف الذكية تحصي كل سعرة حرارية، والموازين الذكية ترسل بيانات أوزاننا إلى السحابة، والساعات الرقمية تراقب نشاطنا البدني على مدار اللحظة. لقد تحوّل الجسد إلى ساحة معركة مستمرة ضد الذات، حيث يُطلب من الأفراد ممارسة انضباط ذاتي صارم للوصول إلى الوزن "المثالي" المفروض.
إن تاريخ السمنة الذي استعرضناه يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن تصوراتنا حول الجسد المثالي ليست ثابتة أو فطرية، بل هي نتاج حتمي لسياقات تاريخية وثقافية واقتصادية معقدة. لقد تحوّل ما كان يُعدّ جميلًا وصحيًا في عصر ما إلى قبيح ومرضي في عصرنا. وعلى الرغم من أن فهم هذا التاريخ لا يعفينا من مسؤولية الاهتمام بصحتنا، فإنه يدعونا إلى التفكير النقدي في الضغوط الثقافية التي تشكل علاقتنا بأجسادنا، وكيف تحوّل الجسد من مصدر للذة والرخاء إلى مجرد ساحة معركة ضد متطلبات الذات والمجتمع. لذلك، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو "كيف نحارب السمنة؟"، بل كيف يمكننا بناء علاقة صحية ومتوازنة مع أجسادنا في ظل عالم يفرض علينا معايير متقلبة باستمرار؟












