لم يكن الرأي العام يومًا مجرد أصوات متناثرة في الأسواق أو ضجيجًا عابرًا في الساحات، بل كان القوة الخفيّة التي تتحرّك تحت جلد التاريخ، فتدفع الإمبراطوريات إلى الصعود أو الانهيار، وتمنح الشرعية للآلهة والملوك والثورات أو تحجبها. فمنذ أن خضعت الآلهة البابلية لسخط البشر، إلى زمن الخوارزميات التي تعيد تشكيل وعينا اليوم، ظلّ الرأي العام الطاقة الأكثر غموضًا وتأثيرًا في حياة الجماعات البشرية؛ فهو ليس حقيقة خالصة ولا كذبًا كاملًا، وإنما ذلك المزيج المعقّد من المخاوف والرغبات والصور الذهنية والشائعات والأحلام المشتركة التي تجعل الجماعة البشرية تفكّر كأنها كائن واحد، لذلك خشيه الفلاسفة، وسعى السّاسة إلى امتطائه، وحاولت الأديان والأساطير والصحف والسينما والسوشيال ميديا السيطرة عليه وتوجيهه.
لقد أُعدم سقراط باسم الرأي العام، وقادت روما إمبراطوريتها به، وأُشعلت الثورات باسمه، ثم تحوّل في عصرنا إلى سلعة تباع بياناتها في الأسواق. من هنا فإن دراسته ليست بحثًا في مفهوم سياسي فقط، وإنما محاولة لفهم الكيفية التي يصنع بها الوعي البشري، وكيف يمكن للكلمة والصورة والإشاعة والفكرة أن تتحوّل إلى قوة تغيّر مصير العالم.
يغني سامي حواط: "حضرتنا من الرأي العام، صوت اللّي ما ألهن صوت"! تحثّنا الأغنية على التساؤل عن الزمن الذي ولد فيه الرأي العام؟ ولماذا أُسكت؟ فهل كان صدّاحًا في يوم ما؟ ولماذا يتصارع عليه؟ وما الذي يحدث عندما تتبنّى الجماهير رأيًا ما، كما تساءل غوستاف لوبون، في كتابه "سيكولوجيا الجماهير". ولماذا ازدراه إمبرتو إيكو في عصر الإنترنت، قائلًا: "لأنّها تمنح حقّ الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يتكلّمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فورًا. أمّا الآن، فلهم الحقّ بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل. إنّه غزو البلهاء".
يقول الشاعر دُرَيْد بن الصمّة:
"أَمَرْتُهُمُ أَمْرِى بمُنعَرَجِ اللِّوَى/فلم يَسْتبِينُوا الرُّشدَ إِلا ضُحَى الغَد
فلمّا عَصَوْنِى كنْتُ مِنْهُمْ وقد أَرَى/غَوَايتَهُمْ، وأَنَّنِى غَيْرُ مُهْتَدِى
وهلْ أَنَا إِلا من غَزيَّةَ إِنْ غَوَتْ/غَوَيْتُ، وإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشد".
بالتقاطة ذكية يسبق الصمّة ما حلّله فرويد في زمننا عن تلك الحالة الفريدة التي تعتري الكائن البشري، ما إن ينضم إلى جمهور ما، حيث يكتسب سمات خاصة لم تكن موجودة فيه سابقًا، أو كانت موجودة، لكنّه غير واعٍ لها. هذا التغيير الحاصل يتأتّى من حلول روح الجماعة، أو الجماهير، أو الرأي العام في هذا الفرد، فيفقد فرادة شخصيته، ويصبح مجرد خلية في جسد الجمهور، حتى أن الفيلسوف خوسيه أورتيغا أي غاسيت، في كتابه: "تمرّد الجماهير"، اعتبر أن شمول الرأي العام يمكن أن ينال من أكثر الناس عقلًا وروية.
تكلم لوبون عن أن الجماهير تُقاد بالرأي العام، ومن يسيطر على هذا الرأي يتحكّم بالسلطة: "بأن الميزة الأساسية للجمهور هي انصهار أفراده في روح عاطفية مشتركة تقضي على الفروق الشخصية، وتخفض الملكات العقلية". وبعد أن انتهى من تحديدها، شرع في شرح كيفية قيادتها عن طريق التحريض، والدعاية، والقائد الملهم. لذلك يميّز بين نوعين من الفكر؛ الأول يستخدم المفهوم العقلي، والثاني يستخدم المجاز والصور الموحية. والجماهير، هي من تستجيب للمجاز والصور الموحية، لذلك يخطئ القائد السياسي عندما يخاطبها بالحقائق العقلية، بل عليه أن يوجّه خطابه إلى أحاسيسها ومشاعرها بالمقولات الحماسية غير العقلانية. لم يتقبّل الوسط الثقافي مقولات لوبون، لكنّ بينيتو موسوليني وأدولف هتلر كانا من قرّائه، وقد طبقوا تحليلاته النفسية على الجموع.
وعندما وقعت الحرب العالمية الثانية، أصبح السؤال عن ظاهرة الجماهير والرأي العام مطروحًا بقوة، لذلك نجد أحد مؤسّسي مدرسة فرانكفورت، الألماني ماكس هوركهايمر، يعلّق على طروحات لوبون بأنّها قد تحقّقت بطريقة مدهشة، حتى ضمن الحضارة التكنولوجيا الحديثة التي كنّا نتوقّع أن نجد فيها جماهير أكثر استنارة. وقد كان جواب هوركهايمر ناتجًا عن الحيرة التي انتابت الكثير من المفكّرين عن الكيفية التي استطاع من خلالها هتلر تجييش الشعب الألماني المستنير، بتلك الطريقة المجنونة. إذن، الرأي العام قوة خام من يستطيع التحكم بها، تُمنح له السلطات من الآلهة إلى البشر!
قبل أن نخوض في لجَج بحر الرأي العام، لا بدّ أن نتعرّف على تاريخ ظهور المصطلح وكيف كان يستخدم. يعدّ الفيلسوف ميشيل دي مونتين (1588) أول من قارب مصطلح الرأي العام في كتابه "المقالات". وكان يقصد به الأحكام الأخلاقية والمعايير الاجتماعية التي يرتضيها المجتمع ويطلب من الأفراد الالتزام بها. وعلى النهج نفسه تحدّث الفيلسوف جون لوك، في مقاله "مقال في الفهم البشري"، عن قانون الرأي العام والسمعة وعدّه قوة أخلاقية تحكم البشر إلى جانب القوانين الإلهية والمدنية. لم يكتسب مفهوم الرأي العام ثقله السياسي والاقتصادي والاجتماعي إلا مع جان جاك روسو في روايته "جولي" أو "هيلويز الجديدة" (1761). ومن ثم في كتابه "العقد الاجتماعي"، صكّ مصطلح "الرأي العام" (L'opinion publique)، حيث عدّه الوجدان الجماعي الخفي الذي يضمن تماسك الدولة والقوانين.
أما وزير مالية فرنسا جاك نيكر قبيل الثورة الفرنسية، فقد نقل المصطلح من الأفكار إلى الواقع العملي مستخدمًا إياه لوصف ثقة الدائنين والسوق والمناخ النفسي للمجتمع. وفي ذلك الزمان أصبح الدين العام قلب الاقتصاد والثقة فيه ضرورية، حتى أن من يشكّك بالدين العام كان يسجن، كما ذكرت الباحثة لي كلير لابيرج في كتابها "ماركس للقطط". وأكّد نيكيه أن الرأي العام أصبح يملك سلطة خفيّة تحدّ من سلطة الخزينة والملك ذاته. لكن الرأي العام قد سبق ولادة مصطلحه مع روسّو ونيكيه، فلم تخلُ حقبة بشرية من تأثيراته.
فيمي وأوسا
إن التوقّف عند مفهوم الرأي العام في الأسطورة، سيجد تناصًا مع مفهومه في زمننا، كما بيّنه والتر ليبمان في كتابه "الرأي العام" (1922)، فلقد عرّفه بأنه الصور الذهنية التي يصنعها البشر داخل رؤوسهم عن العالم الخارجي وعن أنفسهم وعن احتياجاتهم وعلاقاتهم. وقد وضّح أن هذه الصور الذهنية لا تمثّل الواقع بدقة دائمًا، وإنما تتأثر بكيفية تقديم وسائل الإعلام لها. لم يكن في القديم وسائل إعلام ولا دساتير ولا عقد اجتماعي، ولا مفهوم واضح للرأي العام، لكن من قال هذا؟ فالأسطورة كانت تمثّل كل هذه الوسائل! لقد كانت تُهندس الوعي الاجتماعي عبر مفهوم التابو، وكانت تصنع الشرعية باعتبار الحاكم ممثلًا للإله، وفي المصائب والحروب كانت الأسطورة تفسّر أسباب حدوث تلك الكوارث، فهي بقدر ما تصنع الرأي العام يصنعها. كان جلجامش مستبدًا، ملكًا طاغية، وهو ما سبب سخطًا عامًا لدى الشعب. لقد ذكرت الملحمة البابلية طغيانه بوضوح، فلم يكن يترك عذراء إلا وافترعها، لذلك ضجّ أهل أوروك، حتى سمعت الآلهة صخبهم، فأمرت بأن يخلق أنكيدو ندًا وغريمًا لجلجامش. هذا النقيض لجلجامش استطاع أن يغيّره ويحوّله إلى الكائن الذي رأى. هكذا غيّر ضغط الرأي العام آراء الآلهة بحق جلجامش مع أنه يتكوّن من ثلثي إله وتغيّر هو أيضًا.
إن الاهتمام بالرأي العام ليس على صعيد البشر فقط، بل حتى في مجلس الآلهة! في المواجهة بين النظام والفوضى، في الملحمة البابلية كان مردوك يحاول أن يكتسب إجماع جميع الآلهة ليكون القائد الأعلى للجيش الذي سيواجه تعامة، إلهة الفوضى. لكن كيف حاز هذا الإجماع؟ في ذلك الزمن كانت الكلمة منطوقة ومكتوبة بدأت تسيطر على المعرفة، وهنا لم يعد الإله يبدي عظمته بأفعال مادية كتحريك الجبال أو إنزال المطر، وإنما بمجرد النطق بالكلمة الخالقة، لذلك اختبر الآلهة مردوك بأن يعدم وجود شيء بالكلمة ويعيده إلى الوجود بكلمة. ألقى الآلهة ثوبًا على الأرض، أمام مردوك، وطلبوا منه أن يعدم وجوده بكلمة، ففعل، ومن ثم طلبوا منه أن يعيده إلى الوجود، ففعل.
لقد أصبح مردوك كبير الآلهة في مجمع الآلهة البابلي، بل أكثر من ذلك، فلقد تفوّق على الآلهة الأخرى التي ما زالت تعمل بيديها. عبر هذه الأسطورة أبرز البابليون تقدّمهم على غيرهم من الشعوب بأنّهم أصحاب الكلمة الخالقة. وفي مقلب آخر، نجد يهوه، إله اليهود، يتراجع عن إرادته بإفناء بني إسرائيل لمخالفتهم أوامره، بعد أن قرّعه النبي موسى بقوله له إن سمعته ووصيته ستتأثران لدى الشعوب الأخرى، فما هذا الإله الذي يقتل شعبه! هذه ثلاثة أخبار تبيّن أهمية وقوة الرأي العام، سواء باكتسابه أو بالخضوع له. تلعب وسائل الإعلام في عصرنا، وخاصة السوشيال ميديا، دورًا مهمًا في توجيه الرأي العام، وعلى ما يبدو أن الحضارتين الإغريقية والرومانية كان لهما "فيسبوك" و"إكس"! حتى أنهما ألّهوهما!
تعدّ الإلهة فيمي (Pheme) أو أوسا (Ossa) لدى اليونانيين، وفاما (Fama) عند الرومان؛ التمثيل الحقيقي للإشاعة والصيت والسمعة حسنة أو سيئة؛ والإشاعة والصيت والسمعة مكونات رئيسية في تكوين الرأي العام. ولدت فيمي كإلهة ملعونة ومطرودة، لكنّها امتلكت قوة لا يمتلكها كبار الآلهة؛ القدرة على التغلغل في عقول الحشود، لذلك كانوا بحاجتها، فهي لا تنقل الأخبار فقط، وإنما تضخمها من خلال تحويل الهمس بين شخصين إلى رأي عام. وصف الشاعر فرجيل الإلهة الرومانية فاما، صنو فيمي عند الإغريق، بأنها وحش مجنح هائل يتميّز بأنه تحت كل ريشة هناك عين ترى وأذن تصغي ولسان ينطق، وهي لا تفرق بين الكذب والحقيقة. لكن كثيرًا ما صوّرت كأنثى فائقة الجمال تحمل بوقًا نحاسيا تنفخ فيه. بينما أوفيد قد قال عنها: "بيتها يقع في مركز العالم عند التقاء حدود الكون، وهو مصنوع بالكامل من النحاس الصاخب، يتردّد فيه الصدى ويتضخّم، وأبوابه مفتوحة دومًا، وهذا الصدى ليس بصراخ ولا صمت، وإنما همس كأمواج البحر. في هذا البيت تسكن الشائعات الخاطئة والأخطاء العفوية، والفرح الزائف، والذعر المفاجئ، والفتنة المقيمة".
عند التمعّن بما أورده فرجيل وأوفيد نجد أدوات تكوين الرأي العام حتى في عصرنا. تعد أوسا وزارة إعلام زيوس، فقد ذكرها هوميروس في الإلياذة، فعندما يريد زيوس إشاعة رأي عام يرسلها لتهمس في الآذان، فتشعل الغضب أو الحماس. وعندما كان قادة الجيش في الإلياذة يريدون توجيه الرأي العام العسكري، تتدخل أوسا كشعلة مقدسة تسير بين الصفوف، تهمس في آذان الجنود، لتخلق سيكولوجيا الحشود التي تكلّم عنها لوبون. وكان الأباطرة الرومان يدّعون أن فاما هي من نشرت خبر انتصار مزيف أو خيانة حليف لتهيئة الرأي العام قبل القرارات الكبرى، فنسبة الإشاعة أو الرأي العام لفاما يحوّلها لقدر إلهي لا يمكن مقاومته، وبالتالي ترفع المسؤولية عنهم. إن الرأي العام في الأسطورة ليس شطحًا فكريًا تم إسقاطه على الماضي وإنما هو الركيزة السيكولوجية التي قامت الأسطورة عليها، فالأسطورة تولد من رحم الجماعة ثم تعود لتشكّل هذه الجماعة. وإذا ما حاولت الشخصيات الأسطورية، حتى الإلهية منها، مخالفة هذا الناموس، فإن حبكة الإسطورة غالبًا ما تتدخّل لمعاقبتهم وكأن صوت الشعب من صوت الإله.
شوكران الرأي العام
بعد أن رأينا تأثير الرأي العام في الأسطورة، سننتقل إلى ساحات أثينا حيث ولدت الفلسفة، وسوف نرى صراعًا مريريًا بين الفلسفة والرأي العام أو بين المعرفة (Episteme) الحقيقة والعلم، والرأي (Doxa) الظن. يعود هذا الصراع إلى برمينيدس، الذي وضّح في قصيدته "في الطبيعة"، أن العالم ينقسم إلى طريق الحقيقة والعقل وهو واحد وثابت لا يتغير، وطريق الظن، طريق الحواس والأهواء والآراء وهو متغير دومًا. بالنسبة لبرمينيدس فهو يرى أن معرفة الجمهور تأتي من وراء حواسهم وأهوائهم وهكذا تصبح الحقيقة متغيّرة ومتبدّلة، بينما هي ثابتة. إن أول من تبنّى مفهوم الدوكسا، كان السفسطائيون، مثل بروتاغوراس وجورجياس، فلقد قال بروتاغوراس إن الإنسان مقياس كل شيء.
استخدم السفسطائيون البلاغة والخطابة لتوجيه الرأي العام، ولم يكن يعنيهم حقًا إن كان هناك حقيقة أم وهم، لأن قدرتهم على الإقناع مكنتهم من التلاعب بالحقائق والظنون وكأنهم شعراء. لقد أراد سقراط الذي وصف نفسه بأنه "قابلة أفكار" استنادًا إلى عمل أمّه كقابلة أطفال، أن يجابه الأهواء بالحقيقة، لكنه انتهى إلى مواجهة الرأي العام الأثيني. لقد كان المدّعون على سقراط في المحكمة ثلاثة أشخاص يمثلون رأي الأغلبية في أثينا، وهم: ميليتوس كان شاعرًا، أنتيوس ديمقراطيًا، وليكون خطيبًا. أمّا الحضور، فلقد كان من العمال والجنود المتقاعدين الذين يتقاضون ثلاث أبولات – عملة معدنية يونانية – مقابل حضورهم جلسات محاكمة سقراط. لقد أدانت الديمقراطية سقراط الذي شبه نفسه بذبابة تثير حصان ضخم كسول، وما كان يقصده بهذا الحصان مدينة أثينا بارتكانها للأفكار القديمة البائدة. لقد حلّل سقراط أسباب الادعاء عليه بأن أهل أثينا لا يريدون أن يواجهوا حقيقة جهلهم. مهما يكن لقد أعدم الرأي العام سقراط، ولربما من هذا المنطلق كان أفلاطون كارهًا للرأي العام والشعراء والديمقراطيين والخطباء؛ وفق هذا المنحى رأى تلميذ سقراط أن رأي الأغلبية أشبه بوحش هائل.
كان أفلاطون يصف السفسطائيين والخطباء بأنهم مروضو وحوش، فهم بعد أن تمعّنوا في طبائع الجمهور ودرسوها، أصبحوا قادرين على قيادة هذا الوحش لتحقيق مصالحهم؛ وهذا الكلام يذكرنا بما قاله لوبون عن طريقة السيطرة على الرأي العام. لقد كان السفسطائيون والسياسيون في أثينا لا يعلِّمون الجمهور شيئًا غير ما يود الجمهور سماعه، لكن بأسلوبهم الذي يؤدي إلى قيادة هذا الوحش. لقد كان أفلاطون رافضًا لمنطق الرأي العام، لذلك نصَّبَ على سدّة جمهوريته الفاضلة حكيمًا ديكتاتورًا فيلسوفًا. كان أفلاطون يعلم أن الجمهور لا يمكنه أن يستوعب الحقيقة مجردة، لذلك أراد هندسة الرأي العام بموجب: الكذبة النبيلة؛ عبر القول إن الآلهة قد قسّمتهم إلى ثلاث طبقات: طبقة الذهب في الأعلى تتكوّن من الفلاسفة والحكماء، ومن ثم طبقة الفضة من الجنود والحرّاس، وفي الأسفل طبقة البرونز من العمّال والصنّاع. بهذه الطريقة يضبط أفلاطون جمهوريته بأن يقتنع كل شخص بمكانته في طبقته ولا يفكر في تجاوزها، وكأنه بذلك لجم حصان الرأي العام.
بعد أفلاطون جاء أرسطو، صاحب فضيلة الحدّ الأوسط بين تطرفين، ليخفّف من راديكالية أستاذه، فقام بعملية جراحية تصالحية بين الفلسفة والرأي العام مستندًا إلى رؤية واقعية عبر مفهوم الآراء المحمودة (Endoxa)؛ فلم يلق أرسطو الرأي العام في المزبلة، وإنما قسّم الرأي العام إلى "دوكسا" و"أندوكسا"، وقال عنها إنها الآراء المقبولة عند الأغلبية وضمنًا الحكماء، وعدّ هذه "الأندوسكا" القاعدة التي ينطلق منها البحث عن الحقيقة والأخلاق. ففي كتابه "السياسة"، طرح فكرة أنه لو أخذنا الأفراد فرادى قد لا يكونون على مقدار من الحكمة، لكن عندما يجتمعون يصبحون كشخص واحد متعدّد الأذرع والأرجل وله حواس كثيرة. وبهذا المنطق يصبح الرأي العام في السياسة والفن، على سبيل المثال، أصدق من رأي فرد واحد حتى لو كان عبقريًا، لأن المجموع يكمل نواقص الأفراد.
بعد اليونانيين أتى الرومان، وهم من حوّلوا الرأي العام إلى مؤسسة قانونية وبنية تحتية وأداة حرب سياسية، فمعهم نزل الخلاف بين الفلسفة والرأي العام إلى الواقع ليصبح أداة هيمنة كاسحة بيد السلطات، فإما أن تحكم به أو تسحق تحته. ففي روما ولد مصطلح "صوت الشعب" (Vox Populi)؛ وهو لم يكن مجرد تعبير مجازي، بل قوة فعلية يجب أن يعرف الحاكم كيف يروضها وإلا ستلتهمه. ولقد كانت تتجسّد هذه القوة للرأي العام في الخبز والكولسيوم (حلبات الألعاب والمصارعة)، حيث يتم مسرحة الرأي العام. لم يكن الأباطرة يقدّمون الألعاب والخبز لتسلية الرعاع فقط، وإنما لاكتشاف ميول الرأي العام وكيفية السيطرة عليه.
إن إدراك قوة الرأي العام دفعت الإمبراطور يوليوس قيصر إلى ابتكار ما نسميه حاليًا الجريدة الرسمية، عبر ما يسمى "الأفعال اليومية" (Acta Diurna)؛ وهي عبارة عن ألواح حجرية أو خشبية تنقش عليها الأخبار وتعلّق في الساحات العامة وتستنسخ وتبعث إلى كل إنحاء الإمبراطورية من بريطانيا حتى بلاد الشام، ما خلق رأيًا عامًا موحدًا في الإمبراطورية الرومانية. لم تكن هذه الألواح تنقل الأخبار بحيادية، بل كان قيصر يسجل فيها انتصاراته العسكرية ومراسيمه، ويشوّه في الوقت نفسه سمعة منافسيه. بهذه الطريقة احتكر قيصر الرأي العام وقاده في السواقي التي يريد.
أما الأكثر دهاء، فلقد كان الإمبراطور أغسطس، فهو أول من أمّم الثقافة والأخلاق والرأي العام، وكان له وزارة إعلام وثقافة عبر مستشاره غايوس مايكيناس، الذي كان يموّل شعراء العصر مثل فيرجل وهوراس وكانوا يمدحون أغسطس وأفعاله، حتى أن فيرجل عندما كتب "الإنياذة"، كان الهدف منها جعل أغسطس سليلًا للآلهة. عندما نشاهد معركة الانتخابات الرئاسية الأميركية والبروبوغاندا التي تصاحبها نعتقد أن ذلك اختراع عصرنا الحديث، لكن أول كتيب للإرشادات الانتخابية وضع عندما تقدّم الخطيب والفيلسوف شيشرون لمنصب القنصل العام في روما؛ لقد زوّده أخوه بكتيب إرشادات من أجل إقناع الآخرين بأن يدلوا بصوتهم له.
لقد كتب كونتيوس في هذا الدليل الإرشادي: "السياسة هي فن الخداع والتلوّن.. عندما تسير في الساحات العامة، تأكّد أن يصحبك رجال وظيفتهم تذكيرك بأسماء المارة، لكي تناديهم بأسمائهم وتشعرهم بأهميتهم. عِد الجميع بكل شيء، حتى لو كنت تعلم بأنك لن تكون قادرًا على تنفيذ وعودك، فالناس يفضلون الكذبة الجميلة التي تمنحهم الأمل على الحقيقة الصادمة". لقد ترك اليونانيون لنا تنظيرات عن الرأي العام، أما الرومان فلقد برهنوا أن من يسيطر على فاما/الإشاعة والصيت والسمعة ويقيم الألعاب في الكولسيوم ويجعل الخبز خطًا أحمر لأنه قوت الشعوب، إلى جانب من يمتلك الخطابة السياسية وفن الإقناع قادر على أن يكون إمبراطورًا كأغسطس.
المجال العام
لا يمكن التكلّم عن الرأي العام بالمعنى الحديث، قبل ظهور المجال العام الذي حدّده الفيلسوف يورغن هابرماس في القرن الثامن عشر بأنه فضاء أو حيّز اجتماعي وسياسي مستقل عن سلطة الدولة. لقد كانت السلطة في العصور الوسطى وخلال عصر النهضة مطلقة، تمارس بشكل استعراضي، فالملك أو الإقطاعي كان يمارس سلطته أمام رعيته عبر الفرمانات والطقوس والأوسمة والاحتفالات والثياب، فلم يكن الشعب سوى متفرج سلبي على هيبة السلطة. فالملك هو الراعي والشعب هو الرعية التي يسوسها الملك كما يريد. في القرن الثامن عشر صعدت طبقة جديدة، هي البرجوازية، وكانت الأساس في ولادة المجتمع المدني، كفضاء مستقل للتبادل الاقتصادي والسياسي والثقافي، وهو مجال منفصل عن السلطة المطلقة التي كانت تحكم تلك المجتمعات سواء عبر الكنيسة أو الملك. لكن هذا المجتمع النامي الجديد كان يتأثر بقرارات السلطة المطلقة عبر الضرائب والرسوم والحروب، لذلك برزت الحاجة لمناقشة سياسات السلطة ومحاولة التأثير فيها.
قد يتصوّر أن المجال العام بسبب صبغته السياسة يفترض ولادة حزبية أو ثورية، لكنه ولد أدبيًا وثقافيًا. إن التطوّر في القرن الثامن عشر سمح للفرد بأن يستقل بغرفة تخصه، كما عبرت فرجينيا وولف يومًا عن ضرورة هذه الغرفة ليتمكن الكائن البشري من إدراك فرادته وتحقيق شخصيته. في هذه الغرف قرأ إنسان القرن الثامن عشر روايات وكتبًا فلسفية، وتمرّس على النقاش والجدل وتفكيك القناعات الراسخة، واكتشف عمقه الفردي كشخص مستقل له مصالحه في مقابل مصالح السلطة المطلقة. ولكي يتجسّد هذا الفوران العقلي كان بحاجة إلى فضاءات مادية ملموسة بدأت بالظهور في المقاهي في بريطانيا، حيث تحوّلت إلى مراكز للمناقشات السياسية والأدبية، بينما قادت النساء الصالونات في فرنسا وجعلتها حاضنة للفكر التنويري والنقد الثقافي. أما في ألمانيا، فظهرت الجمعيات الحوارية التي ضمت الأكاديميين والمثقفين.
إلى جانب ذلك كانت الصحافة بوق فاما، ومعها ظهر القارئ اليومي للشؤون العامة، خاصة بعد انتشار المطبعة البخارية التي سمحت بإصدار جرائد رخيصة جدًا كانت تسمى "جرائد البنس الواحد" (The Penny Press). هذا الوضع أدّى إلى اختلاط الطبقات الذي حذر منه أفلاطون، فالإقطاعي والبرجوازي والنبيل ورجل السوق والفلاح كانوا يجتمعون في المقاهي ويتداولون شؤونهم، ومنه انطلقت شرارة الثورة الفرنسية التي غيّرت وجه أوروبا. ومن رحم هذه التغيرات صك روسّو مصطلح الرأي العام الذي أصبح القاطرة البخارية لزمن بدأ يتغيّر سريعًا. هذا الوضع لم يولد من العدم، صحيح بعد سقوط روما دخلت أوروبا في عصور مظلمة، لكن كان هناك ومضات أسست إلى ما جاء لاحقًا.
لم يكن الرأي العام في القرون الوسطى يتخذ الشكل المؤسساتي الذي نعرفه الآن، وإنما كان كقوة هلامية تتأرجح بين الشائعة والسمعة والإجماع الشعبي غير المكتوب. وكانت الساحات العامة والأسواق الحواضن الاجتماعية لتشكيله ومن يسيطر عليها يوجّه الرأي العام حيث يريد. كان هناك مقولة "صوت الشعب من صوت الله" (Vox populi Vox Dei)، وقد ظهرت في عهد سابق لشارلمان، وكان لها خطورتها التي دعت، المفكر ألكوين اليوركي، لتحذير الإمبراطور لعدم الاستماع لها، لأن رعاع الناس يميلون دائمًا إلى الجنون وأن قيادة الناس يجب أن تتم بالوعظ لا بالاستماع لهم. من هذه الرؤية تم تقسيم المجتمع إلى الخاصة/أهل العقل، والعامة/أهل العاطفة والخطابة، كما فعل أفلاطون.
ومع ذلك رأى، توما الأكويني أن قوة الأعراف والعقائد الشعبية يجب أن تؤخذ بالحسبان. ووفق هذا التخصيص، نرى البابا أوربان الثاني من أجل تجييش العامة قام بمخاطبة عواطفهم الدينية، فقال عن ضرورة الحرب الصليبية إن "الله يريد ذلك" (Deus vult)، وكأنه يقول إن إرادة الله تتجلّى في العامة، وهؤلاء العامة عليهم الخضوع لمن يمثّلون الله على الأرض.
وعلى المنوال ذاته إثارة العواطف الدينية التي تعتبر في صميم الرأي العام الشعبي، استخدم قائد ثورة الفلاحين في بريطانيا، الكاهن جون بول، النص الديني لتهييج الجماهير على طبقة الإقطاع والنبلاء، فقال: "عندما كان آدم يحرث وحواء تغزل، من كان حينها السيد النبيل؟". بهذا المنطق الديني أدير الرأي العام في القرون الوسطى وفق مصالح الكنيسة والملوك وحتى الثوار. مع بدء عصر النهضة خطا الرأي العام درجة أعلى نحو التفكير العقلاني، فقال المنظر الأول للسياسة نيقولا مكيافيلي، في كتابه "الأمير"، إن الحاكم ليس مجبرًا على أن يكون فاضلًا، لكن عليه التظاهر بذلك، لأن العامة ينجذبون دائمًا للمظاهر والقشور وليس في هذا العالم غير العامة.
على عكسه ذهب المفكر إيراسموس إلى رفض ذلك، وقال إن الرأي العام من الممكن تنويره عبر العقل والتعليم. وعندما تم اختراع المطبعة ظهر مجتمع القرّاء في القرن الثامن عشر، وبدأ المفكّرون الإنسانيون يطرحون ضرورة تحريك الرأي العام وفق مبادئ الكرامة الإنسانية والحقوق المدنية السياسية والعدالة الضريبية، وهذه المبادئ ستكون شعارًا للثورة الفرنسية التي غيرت وجه أوروبا.
في القرن التاسع عشر، ومع تعاظم دور الصحافة وظهور الأحزاب وانتشار التعليم وتوسّع المدن، لم تعد النظرة القديمة إلى الرأي العام تعتبره عاطفة جياشة تقاد بالبلاغة، وإنما بالمصالح التي تهم هذه الكتلة غير المتعينة من الجماهير. وإذا كان من مثال مناسب لطريقة قيادة الجماهير فهو "البيان الشيوعي"، الذي كتبه كارل ماركس وفريدريك إنجلز: "يا بروليتاريا كل العالم اتحدوا"، وينضوي تحت صيغة البروليتاريا كل من العمال والفلاحين والمتعلمين والمثقفين العضويين، وفق غرامشي، وذلك ليقفوا في مواجهة الطبقات المستغِلّة من إقطاعيين ونبلاء وبرجوازيين ورأسماليين. إذن، أصبحنا مع ماركس وإنجلز مع مفهوم عام جديد يقوم على أن العامة قد أدركوا مصالحهم ولم يعودوا رهناء فلاسفة أو رجال دين أو ساسة.
جاء القرن العشرين وظهر غوستاف لوبون، الذي حلّل كيفية امتطاء الحصان الكسول الذي تكلم عنه سقراط عبر الإعلام والسينما والأحزاب وأنتج هذا التوجّه حربين عالميتين، قسّمت العالم إلى معسكرين شيوعي ورأسمالي. ومن طرق الدعاية في القسم الشيوعي أن حكايا الأطفال في الاتحاد السوفييتي سابقًا كانت تعبئ الرأي العام منذ الصغر، فالقطة فاسكا كانت صديقة ستالين المحببة التي يقطع سير الاجتماعات الحزبية من أجل إطعامها، كما ذكرت لي كلير لا بيرج. هذا النمط من القصص كان يربي الأطفال على أن القائد ستالين يهتم حتى بالحيوانات، فكيف سيكون الأمر مع شعبه.
ظل الرأي العام تتجاذبه القوى الإعلامية القديمة حتى ظهرت السوشيال ميديا، التي دفعت إمبرتو إيكو لإطلاق رأيه القاسي بحق الرأي العام الذي يقاد من الخوارزميات. لقد سأل أحد الاقتصاديين القدامى مخترع "فيس بوك" كيف تجعله مجانيًا طوال الحياة؟ فأجاب مارك زوكربيرغ بأنه يبيع معلومات وبيانات المشتركين للشركات والمؤسسات التي توجه الرأي العام ليس سياسيًا فقط، وإنما اقتصاديًا وهو الأهم. ففي عالم تحكمه السلعة، أصبح نفط قرننا الحادي والعشرين هو الاستثمار في الرأي العام، فالتذمّر الفردي الذي لم يكن يؤخذ حسبانه في أي زمن أصبح في زمن السوشيال ميديا عملًا جماعيًا منسقًا، ولم يعد يحكم على إيجابياته أو سلبياته، لأن المهم النتائج التي يحققها بالنسبة للذين يديرونه من خلف الشاشات. وقد رأينا كيف كان الربيع العربي بقدر ما هو فاعل على الأرض، لكن لولا السوشيال ميديا، لكان انتهى من دون نتائج تذكر سلبية أو إيجابية.
في استفتاءات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، اشتغلت القوى السياسية على كل فرد على حدة، بعد دراسة توجهاته من خلال مراقبة نشاطاته على السوشيال ميديا، ومن ثم بدأت بإغراقه بإعلانات واستبيانات وإشاعات لتوجّه رأيه نحو الغاية المرتجاة. إن الرأي العام الذي ظهر مع ولادة المجال العام، كما نظر هابرماس، وكان كحلم تنويري يحكم فيه الشعب بالعقل، بات اليوم يقف على مفترق طرق خطير، فإما يستعيد مساحاته النقدية الحرّة أو أنه سيغرق للأبد في بحر الخوارزميات التي يقودها الذكاء الاصطناعي.
إن تاريخ الرأي العام ليس سوى تاريخ الصراع على العقول والمشاعر، فمن همسات فيمي وأوسا في آذان المحاربين، إلى خطباء أثينا، ومنابر الكنيسة و"جرائد البنس الواحد" إلى شاشات الهواتف والخوارزميات الذكية، تغيّرت الأدوات لكن الجوهر بقي ذاته، لأن من يملك القدرة على تشكيل الصور الذهنية للجماعة البشرية يملك القدرة على قيادة العالم. غير أن في عصرنا الحالي لم يعد الخطر في الطاغية الذي يفرض رأيه بالقوة، بل في الخوارزميات التي تجعل الإنسان يظن أنه حرّ، بينما هي من تعيد تشكيل رغباته ومخاوفه وآرائه بالخفاء. لذلك فإن التفكر في الرأي العام أصبح أكثر جذرية، لأن القضية لم تعد في هندسة رأي الشعوب، وأصبح التساؤل الجوهري: هل ما زال الفرد نفسه قادرًا على التفكير بحدّ ذاته ما دام أصبح كالآلة؟