لا يتردد الساسة دومًا في تطويع أي شيء يرونه ضروري لحماية عروشهم وتحقيق أهدافهم، لكن أن يتطرق الأمر إلى توظيف "يمين الطلاق" سياسيًا فهذا أمر غريب. لكنه حدث بالفعل خلال حُقب من التاريخ الإسلامي، من خلال إكراه الناس الحلف بيمين الطلاق لضمان عدم خروجهم على الخليفة أو ولي العهد.
لم تجر عادة المسلمين على الحلف بيمين الطلاق في عهد الرسول ولا في عهد الصحابة، وإنما كان من الأيمان الباطلة غير المشروعة التي لا تلزم من حنث بها، ولكن في العصر الأموي شاع حلف الناس بهذه الأيمان على غير العادة، حتى أفتى الفقهاء بإلزام الحالف بالطلاق إذا حنث بطلاق زوجته، حسبما تذكر هنية بهنوس عبدربه في دراسة "إشكالية التوظيف السياسي لأيمان الطلاق خلال العصرين الأموي والعباسي الأول (41- 232هـ/ 661- 846م)".
بيد أن أيمان الطلاق وُظّفت في العصر الأموي (661-749م) سياسيًا لتخدم رؤى وأهداف ذوي السلطة والنفوذ، وظهر ذلك لأول مرة في عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان (661- 679م)، حينما استحلف والي كرمان سنان بن سلمة بن محبق الهذلي الجند بطلاق نسائهم على ألا يهربوا عند التوجه لفتح مدينة مكران، وكان ذلك سنة 668م.
وترى الباحثة أن السلطة الحاكمة وولاتها وقادتها كانوا على دراية بأن نقاط ضعف الجند تكمن في نسائهم وأولادهم الذين ينتظرون بفارغ الصبر العودة إليهم، لذا آثروا استغلال ذلك للتأثير في حالتهم النفسية، وبث العزم والهمة والروح القتالية، والدفع بهم إلى ساحة المعركة للقتال بلا هوادة ولا تراجع، وإلا فإن أملهم ضاع في لم شملهم بأسرهم ونسائهم، خاصة أنهم في حال فرار الجندي يقع يمين الطلاق وتتداعى الأسرة.
ورغم أن أغلب الفقهاء آنذاك قالوا بعدم وقوع الطلاق المعلّق على المرأة التي لا يملك نكاحها، لأنه لا يملك تحقيق الطلاق الآن، إلا أن السلطة الحاكمة آنذاك ضربت بهذه الفتاوى عرض الحائط، واستمرت في استحلاف الجند حتى سنة 724م، عندما ولي على خراسان أسد بن عبد الله القسري، وكان معه في خراسان الفقيه توبة العنبري الذي أحسن إلى الناس والجند وأعطاهم أرزاقهم، فقال له أسد يومًا: "أحلفهم بالطلاق، فلا يتخلف أحد عن مغزاه"، فأبى توبة ذلك ولم يره صوابًا وأحلفهم بأيمان أخرى عُرفت بـ"أيمان توبة"، واستمر تحليف الجند بها لمدة عشر سنوات ثم عاد الأمر لسابقه في عهد هشام بن عبد الملك بن مروان (724-743م)، حيث تم تحليف الجند بالطلاق لضمان الولاء والطاعة وعدم التخاذل.
يمين الطلاق والبيعة
ولأن بني أمية حرصوا على توريث الحكم لأبنائهم، فقد تفننوا في أخذ البيعة من الناس واشترطوا عليهم شروطًا غليظة للوفاء والالتزام بها. تذكر الباحثة أن معاوية بن أبي سفيان أول من استحلف الناس في البيعة حيث استحلفهم بالله، وعندما تولى عبد الملك بن مروان الخلافة سنة 685م تولى أخذ البيعة له ولولده الوليد من الناس والي العراق الحجاجُ بن يوسف الثقفي، والذي استحدث ما يعرف بـ"أيمان البيعة"، وعُرفت أيضًا بـ"أيمان الحجاج"، وهي الطلاق والعتاق والتحليف باسم الله وصدقة المال.
وأثقلت تلك الأيمان الناس واستفتوا فيها الفقهاء للتحلل منها، فعندما وُلي محمد بن يوسف إمارة اليمن، انتهج سياسة أخيه الحجاج من إكراه الناس على البيعة للخليفة عبد الملك بن مروان وتحليفهم بالأيمان اللازمة لهم ومنها يمين الطلاق، فاستفتى الناس فقيه اليمن طاووس بن كيسان في ذلك، فأفتى لهم بعدم وقوعها عليهم إذا ما حنثوا بها لكونهم أُكرهوا عليها.
على كلٍ، بعد أخذ البيعة لعبد الملك بن مروان وفق النمط الجديد الذي ابتدعه الحجاج بن يوسف، صار ذلك هو السنة المتبعة عند أخذ البيعة للخلفاء الأمويين من بعده، حتى كانت سنة 717م حين حضرت الوفاة الخليفة سليمان بن عبد الملك، وقبلها جعل ولاية العهد من بعده لعمر بن عبد العزيز، فأُخذت له البيعة من الناس على أن يسمعوا ويطيعوا، أي أن عمر أحلفهم بالله دون الطلاق والعتاق، لأنه كان يقول بعدم وقوع طلاق المُكره، ولذلك رفض أن يُكره الناس على البيعة وعلى الحلف بالطلاق عند بيعته حتى لا يخالف الشرع الإسلامي. غير أنه بعد وفاة عمر عاد الأمر إلى سابق عهده من تحليف الناس بالطلاق على البيعة حتى قيام الدولة العباسية.
الطلاق في خدمة الدعوة العباسية
لكن قبل قيام الدولة، وُظّف يمين الطلاق لخدمة الدعوة العباسية، فعندما دخل أبو مسلم الخراساني إلى مرو سنة 747م أخذ البيعة من أهل خرسان لبني هاشم دون أن يسمي أحدًا. ويذكر جُرجي زيدان في الجزء الأول من كتاب "تاريخ التمدن الإسلامي"، أن البيعة تضمنت: "أبايعكم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والطاعة للرضا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليكم بذلك عهد الله وميثاقه والطلاق والعتاق والمشي إلى بيت الله الحرام، وعلى أن لا تسألوا رزقًا ولا طعمًا حتى يبتدئكم به ولاتكم".
وبعد قيام الدولة العباسية سنة 749م صارت أيمان البيعة، ومن ضمنها يمين الطلاق، الأساس والمنهج المتبع في بيعة الخلفاء العباسيين كما كان متبعًا في العصر الأموي.
مواجهة فقهية لتوظيف سياسي
غير أن التوظيف السياسي لأيمان الطلاق في العصر العباسي اصطدم بمواجهة فقهية. يروي سلطان بن خالد بن حثلين في كتاب "الفقهاء والخلفاء.. مواقف الخلفاء من السلطة السياسية في المهدين الأموي والعباسي الأول"، أن محمد بن عبدالله الملقب بـ"النفس الزكية" ثار على الخليفة أبي جعفر المنصور سنة 762م في المدينة المنورة، ودعا الناس لبيعته والانضمام للثورة، لكنهم قالوا إن في أعناقهم أيمان البيعة من الطلاق وغيرها للخليفة المنصور، وأنها أُكرهوا عليها، وكانوا يخشون إذا بايعوا "النفس الزكية" أن يحنثوا بأيمانهم فتقع عليهم ويُفرق بينهم وبين نسائهم.
وإزاء هذا الموقف المُلتبس، اتجه الناس إلى الإمام مالك بن أنس حيث كان يقيم بالمدينة، فأفتى بعدم جواز طلاق المُكره وقال "إنما بايعتم مُكرهين، وليس على مكره يمين"، وبلغ ذلك الخليفة المنصور، وقيل له إن هذه الفتوى تحث الناس على الخروج عليه، لأنه إذا كان ليس للمُكره طلاق فإنه ليس للمكِره بيعة، وقد يُحتج بهذا الحديث على بطلان البيعة للخليفة. فنهى المنصور الإمام مالك أن يُحدّث بهذا الحديث، ثم أرسل له من يسأله عنه، فحدّث به الإمام في المسجد والناس يسمعون، فغضب الخليفة، وأمر بضرب الإمام.
ويذكر سامي محمد الجعفري في دراسة "التنافس السياسي على السلطة في العصر العباسي الأول 132-232هـ/ 749-849م"، أن استغلال يمين الطلاق في البيعة للخلفاء أثار خلافات كبيرة بين الفقهاء، إذ رأى فقهاء الحجاز، ومنهم الإمام مالك، بعدم طلاق المُكره، بينما قال فقهاء العراق بأن طلاق المُكره واقع، وشمل ذلك الزوجة التي لم تكن وقت حلف اليمين، وتعدى ذلك إلى اللائي يتزوجهن الحالف خلال ثلاثين أو خمسين سنة.
البيعة لولاة العهد
واُستخدم يمين الطلاق أيضًا في البيعة لولاة العهد، بل كان حٌجة قوية للتمسك بهذا المنصب وعدم التنازل عنه، وفي النهاية تم الحنث به من أجل العرش. يروي الجعفري، أن الخليفة المنصور بعدما تخلص من منافسيه على السلطة أراد أن تكون السلطة في بيته حصرًا دون الآخرين، فراح يسعى إلى خلع عيسى بن موسى الذي فرضه عليه أبو العباس السفاح في ولاية العهد، وذلك بهدف جعلها في ولده – أي ولد المنصور – محمد المهدي.
ولتحقيق ذلك، سلك المنصور طرقًا وأساليب عديدة لإجبار عيسى بن موسى على خلع نفسه من ولاية العهد، إلا أن بن موسى أبى معللًا ذلك بالأيمان التي أخذها من المسلمين في البيعة له، وقال للخليفة المنصور "يا أمير المؤمنين، كيف بالأيمان عليّ وعلى المسلمين من العتق والطلاق، وغير ذلك؟.. ليس للخلع سبيل".
ولما يأس المنصور من إصرار عيسى بن موسى وتمسكه بولاية العهد، أقدم على اقتراح الربيع بن يونس بخنق موسى بن عيسى بن موسى، بعدما وصله أن موسى الابن هو من يحرض أبيه ويمنعه من الخلع، فقام الربيع فخنق موسى بحمائله، فلما رأى أبوه ذلك قال "والله يا أمير المؤمنين ما كنت أظن أن الأمر يبلغ منك هذا كله، فأكفف عنه، فها أنا ذا أشهدك أن نسائي طوالق ومماليكي أحرار وما أملك في سبيل الله فصرف ذلك فيمن رأيت يا أمير المؤمنين. وهذه يدي بالبيعة للمهدي". فبايع عيسى المهدي، ثم جعله المنصور في ولاية العهد بعد ابنه.
فتنة الأمين والمأمون
والغريب أن يمين الطلاق لم يمنع أكبر فتنة مُني بها بنو العباس. بحسب الباحثة هنية عبد ربه في دراستها المذكورة آنفًا، كان يمين الطلاق حاضرًا بشكل لافت في البيعة التي عقدها الخليفة هارون الرشيد بولاية العهد لابنيه الأمين والمأمون، حيث كتب إلى الولاة والعمال بأخذ البيعة لهما، وأرسل نسخهما إلى الأمصار، وقد أخذ عليهما العهود والمواثيق لبعضهما وأحلفهما بالأيمان المُغلّظة المؤكدة من الطلاق والعتاق والحج ماشيًا وغيره، وجاء نص يمين الطلاق: "وكل امرأة هي اليوم لي أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثًا، البتة".
وقتها، اختلف الفقهاء الأربعة في "طلاق ما لا يُنكح" التي وردت في أيمان البيعة للأمين والمأمون، فأفتى الإمام أبو حنيفة وأصحاب الرأي من أهل العراق والإمام مالك بن أنس وأهل الحديث بوقوعه، بينما قال الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل بعدم وقوعه.
بيد أن هذا الاختلاف الفقهي لم يغير من الأمر شيئًا، فرغم تلك الأيمان المُغلّظة التي أخذها الرشيد على ولديه إلا أن الهدف منها لم يتحقق، فبعد وفاة الرشيد وتولي الأمين الخلافة سنة 808م وقع الصراع بين الأخوين حول ولاية العهد، ونقض الأمين بيعة أخيه المأمون وحنث بتلك الأيمان التي أخذها عليه أبوه، وبذلك لم يتحقق الاستقرار السياسي المنشود، بل تأزم الأمر ووقع الصراع المسلح بين الأخوين، والذي الأمر بمقتل الأمين سنة 813م وتولي المأمون الخلافة.












