منذ قرأت مقالة الأستاذ رجاء النقاش عن المستشرق الغامض بول كراوس في كتابه "عباقرة ومجانين" وأنا منشغل البال به، ففي عمرٍ قصير ملأ الدنيا كتبًا وأبحاثًا وصخبًا، ثم في غمضة عين، وفي الأربعين من عمره، شنق نفسه في حمام منزله. هذه المقالة رحلة في سيرة كراوس، وتتبع لحياته، من الازدهار إلى الانتحار، من براغ إلى القاهرة، ومن النجاة من النازية إلى الانتحار، ومن مساعدة ماسينيون إلى الأستاذية لعبد الرحمن بدوي، ومن صداقة طه حسين إلى صحبة الأسطى أحمد النجار، ومن قاعات السربون إلى صفحات مجلة الثقافة المصرية.
مفتتح الطريق
سنة 1904م في مدينة براغ عاصمة التشيك، ولد بول كراوس لأسرة يهودية، وفي عام 1922م سافر إلى فلسطين، ليقضي بعض الوقت في مستوطنة يهودية هناك، ثم يدخل بعدها "مدرسة الدراسات الشرقية" التابعة للجامعة العبرية، وفي عام 1928م ينتقل إلى جامعة برلين ليحصل على الدكتوراه، ويبدأ في نشر بعض الأبحاث، غير أن كراوس في هذه الفترة لم يظهر الاهتمام الكافي بالعلوم الإسلامية وشخصياتها، كما حدث بعد عام من حصوله على الدكتوراه، اختاره أستاذه "يوليوس روسكا" مساعدًا له في "معهد البحث في تاريخ العلوم" ببرلين.
بدأ كراوس في دراسة الكيمياء عند العرب، وتحديدًا شخصية "جابر بن حيان"، وسرعان ما أصبح كراوس وجابر صنوين مرتبطين ببعضهما البعض، الأمر الذي جعل الدكتور زكي نجيب محمود يقدم الشكر لكراوس بعد انتحاره بعشرين عامًا تقريبًا، وذلك في كتابه عن جابر بن حيان، فيقول: "وإنه من الواجب علينا في هذا المقام أن نحيي ذكرى بول كراوس الذي لولا ما قدًّم إلينا من مخطوطات لجابر، جمعها من مختلف المكتبات في أوروبا، ونشرها في كتاب "مختار رسائل جابر بن حيَّان"، وذلك بالإضافة إلى مجلدين ألفهما في جابر بن حيان، تحدث فيهما حديثًا مستفيضًا عن كتبه ومذهبه، أقول إنه لولا هذه الآثار العلمية الجليلة التي تركها "كراوس"، لكانت الكتابة عن ابن حيان – بالنسبة لي على الأقل – ضربًا من المحال، فقد اعتمدت كل الاعتماد على مجموعة المختارات التي نشرها من رسائل جابر".
لم يدم المقام لكراوس طويلًا في برلين، نتيجة الهجمة العنيفة للنازية على ألمانيا، فآثر أن يفر بحياته عام 1933م إلى باريس، وتعاون هناك مع لويس ماسينون المستشرق المعروف، ونشرا معًا كتاب "أخبار الحلاج"، وفي الوقت نفسه استعد كراوس للدكتوراه الثانية من السربون برسالة عن "محمد بن زكريا الرازي"، لكنه لم يناقشها، وقال عنها عبد الرحمن بدوي: "قد أراني هو نفسه هذه الرسالة مكتوبة على الآلة الكاتبة، وبقيت ضمن ما خلفه كراوس بعد انتحاره".
ولم يطل البقاء بكراوس طويلًا في باريس، ففي عام 1936م جاء إلى جامعة القاهرة، ليقضي بها أزهى فترات حياته، وأواخر سنوات عمره، ثماني سنوات فقط كانت كفيلة بجعله محط الأنظار بما قدمه من محاضرات ومقالات وتحقيقات، وطلاب تتلمذوا على يديه، ليباغتنا بخاتمة حياته، منتحرًا بالشنق في حمام منزله بحي الزمالك.
ورغم أن الجامعة العبرية في القدس قد عرضت على كراوس أن يصبح مدرسًا فيها، فإنه فضَّل العمل في جامعة القاهرة، مُدرسًا للغات السامية، بسبب الإمكانات الهائلة المتوافرة للبحث في تاريخ العلوم، سواء من حيث المخطوطات الموجودة في دار الكتب المصرية، والتي سيعمل عليها حتى أواخر عمره، أو من حيث العلماء الباحثون في تاريخ العلوم عند العرب، كما ذكر بدوي.
طه حسين يبشِّر بمقدمه
انقسمت الآراء حول سبب قدوم كراوس لجامعة القاهرة وانضمامه إلى هيئة التدريس بها، هل كان طه حسين؟ أم ترشيح ماسينيون؟
يذكر طه الحاجري -وهو محقق كبير اشترك مع كراوس في تحقيق بعض رسائل الجاحظ - في مقالته عن كراوس في مجلة الدوحة في الثمانينيات، أن السبب في دخول كراوس إلى جامعة القاهرة هو طه حسين، وقال الحاجري: "وكان لنا مجلس مع طه حسين، ذهبنا نزوره عقب عودته من رحلة الصيف في أوروبا، وفي هذا المجلس أخذ يحدثنا عن بعض ما أتيح له في هذه الرحلة، وما اتفق له فيها مما يرجو أن يتهيأ منه لكلية الآداب نصيب موفور، وهو يعني بذلك هذا الشاب الذي عرفه هنالك، شاب تشيكي اتخذ الاستشراق منهجًا له، لم يكد يتحدث إليه حتى أعجب بسعة آفاقه ومرونة تفكيره، وما يملك من أدوات علمية لا بد منها لمن اتخذ ذلك المنهج، تتمثل – إلى جانب ما يعرفه من اللغة العربية – فيما يحيط به إحاطة جيدة من اللغات الأدبية القديمة، وأخصها اللغة اليونانية، واللغات السامية القديمة كالعبرية والسريانية والآرامية، وقد أعانته هذه الآلات على أن يمضى في الموضوع الذي استهواه وشغل به فكره وهو التأريخ للفكر العلمي عند العرب، يتحرى شواهده، وينقب عن نصوصه، وخرجنا من لدن أستاذنا الكبير، ولا يكاد حديثنا عن مجلسه يتجاوز ما جعلنا نعلق به على ما بشَّرنا به من قدوم هذا المستشرق ووشك بلوغه مصر، ومشاركته في وجوه النشاط العلمي المختلفة بالكلية، وقسم اللغة العربية".
ويذكر الأستاذ رجاء النقاش أن طه حسين تقابل مع كراوس في باريس، وكان من التقاليد القائمة في هذه الفترة أن الكلية تتعاقد مع المستشرقين الأوروبين، وكان طه من أكبر أنصار هذه السياسة الثقافية التي تهدف إلى الاستعانة بالمستشرقين، إذ كان الهدف "الاستفادة بما يملكه هؤلاء المستشرقون من علم وما يعرفونه من مناهج وأساليب جديدة في البحث والدراسة والتفكير".
وما ذكره النَّقاش له مكانة واعتبار، بسبب مداومة طه على حضور مؤتمرات المستشرقين.
إلا أن الدكتور عبد الرحمن بدوي وهو من أخص تلاميذ كراوس، وله معه مواقف مشهودة كثيرة، وكان كراوس من مناقشيه في رسالة الدكتوراه، ذكر في مقالته عنه في "موسوعة المستشرقين" أن سبب انضمام كراوس لهيئة التدريس في جامعة القاهرة، هو المستشرق ماسينيون الذي زكَّى ترشيحه للتدريس في كلية الآداب، في مذكرة أشاد فيها بمناقبه وما يؤمَّل منه، وهي المذكرة التي عرضت على مجلس كلية الآداب، وقد قرأها بدوي يوم عرضها – وكان طالبًا في السنة الثالثة في قسم الفلسفة - فصمم على التعرف إليه عند وصوله.
وما يؤكد كلام بدوي، هو ما ذكره المستشرق برنارد لويس في سيرته الذاتية "هوامش على قرن مضى"، بأن ماسينيون عثر على وظيفة لكراوس في القاهرة، لذلك لم يستطع مقابلته حين ذهب إلى باريس، إذ كان كراوس قد غادرها إلى القاهرة، وهو ما جعل لويس حزينًا لفواته ذلك، لأن كراوس كان "عالمًا لامعًا"، يُكنّ له المستشرقون كأمثال "جيب" احترامًا كبيرًا.
وقد رغب لويس في دراسة مذهب الإسماعيلية، فاعتذر له جيب عن ذلك كونه غير مؤهل للإشراف على هذه الأطروحة، واقترح عليه أن يذهب إلى باريس ليدرس عند ماسينيون وكتب بذلك رسالة إليه وإلى كراوس، ويعتقد لويس أن جيب كان حريصًا على أن يستشير كراوس كاستشارته ماسينيون.
بعد عام أو عامين تقابل برنارد لويس مع كراوس في القاهرة، وانعقدت بينهما صداقة عميقة عادت على لويس بالنفع الكثير، ويصف مكانة كراوس فيقول: "كان باحثًا رائعًا يتمتع بدقة لغوية شديدة ويعتني بالتفاصيل بطريقة تشبه تلك التي يتبعها أكثر المتفيهقين تطرفًا في المهنة إلى جانب امتلاكه رؤية مؤرخ يدرك ماهية الحضارة وما تنطوي عليه من جوانب عديدة، تلك الصداقة التي جمعتني به أنارت لي الطريق ولذا لا أزال مدينًا له".
حكايات المدرج 78
غداة وصول كراوس إلى القاهرة، وبعد ترشيح ماسينيون له والوصاية به خيرًا، قرر عبد الرحمن بدوي أن يتصل به، وبالفعل ذهب إليه ليخبره أنه يتقن الألمانية، فأراد كراوس أن يستوثق من ذلك، فاختبره في قراءة مقاطع من كتاب "دراسات إسلامية" لجولدتسيهر، ففتح له صفحة، وراح بدوي يقرأ ويترجم فقرة فقرة، يقول بدوي: "ولغة جولدتسيهر صعبة، خصوصًا وأنها ليست الألمانية بل المجرية، وهي لغة أبويه"، ويكمل بدوي: "وتحدثنا بالفرنسية فازداد إعجابًا، وغداة تلك الليلة ذهب إلى الدكتور طه حسين في مكتبه، مكتب العميد، وأخبره بأنه التقى بطالب في السنة الثالثة من قسم الفلسفة يتقن الألمانية والفرنسية إتقانًا أدهشه كل الإدهاش".
شهد المدرج 78 بكلية الآداب بجامعة القاهرة حضورًا طيبًا وتأثيرًا قويًا لبول كراوس، فقد ذكر عبد الرحمن بدوي في مذكراته، أن السبب الرئيس والفضل الأول في بعثته لأوروبا عام 1937م، يعود لشخصين: طه حسين "عميد الكلية آنذاك"، وباول كراوس "أستاذ اللغات السامية في قسم اللغة العربية بكلية الآداب"، وذلك بعد ما قاله كراوس في حق بدوي عند طه حسين، ليكسر طه اللوائح المتعارف عليها من كون البعثات للمدرسين المساعدين والمعيدين.
ولعل من غرائب الأشياء أن كراوس جاء تعيينه في قسم اللغة العربية، لكن الذين كتبوا عنه هم طلاب قسم الفلسفة أمثال عبد الرحمن بدوي تلميذه وصاحبه ومساعده في الأبحاث، وأنيس منصور الذي كان يحضر له دون أن يكون تلميذًا عنده، وكذلك الأستاذ الصحفي عبد المنعم شميس، الذي كتب عنه مرتين.
وعن مكانة كراوس في الجامعة ينقل رجاء النقاش في كتابه "عباقرة ومجانين" شهادة توفيق الطويل أستاذ الفلسفة، في حق كراوس: "كان يلفت النظر بصغر سنه وحدة ذكائه، ووفرة نشاطه وغزارة إنتاجه، وسعة علمه بالتراث العربي الإسلامي، وأن الله قد وهبه ذاكرة قوية يعرف قيمتَها المشتغلون بالدراسات العلمية، فكان إذا سُئِل عن نصٍ أورده مستشرق مترجمًا في كتاب بالفرنجية دون أن يشير إلى مصدره العربي، بادر كراوس بالعثور على النص في أصله العربي في مكتبة الدراسات العربية الشرقية التي كان له وحده فضل في إنشاءها في المكتبة العامة بجامعة القاهرة".
وذكر بدوي في مذكراته "سيرة حياتي"، أن كراوس قال عن رسالته للدكتوراه، وكان من ضمن مناقشيه: "إن الرسالة تجتاز القرون لتلحق بكبار الفلاسفة والمتكلمين في القرون الثالث والرابع والخامس والسادس للهجرة".
وكانت الإفادات التي حصل عليها بدوي من صلته العلمية بكراوس كثيرة، يذكر منها: "الاطلاع على ما كان يصله من أبحاث المستشرقين، وعلى ما في مكتبته من كتب المستشرقين التي لم تكن موجودة في مكتبة الجامعة أو دار الكتب، وما يعترضني من مشاكل ترجمة أبحاث المستشرقين، خصوصًا الرموز والاختصارات لأسماء المجلات والمجاميع، وما كان يوجهني إليه من أبحاث أو ترجمة دراسات بالألمانية".
ولم يكن بدوي مستفيدًا من كراوس فقط، بل أفاده كثيرًا، من ذلك مساعدته في تحرير ما يريده من محاضرات باللغة العربية، كمحاضرته عن الجاحظ، أو مقالاته التي كان ينشرها في مجلة الثقافة بعنوان "من منبر الشرق"، أو مقدمات ما نشره من كتب في مصر، ككتاب "رسائل فلسفية لمحمد بن زكريا الرازي"، لكن مع إقامة كراوس في مصر، وإتقانه للغة العربية، قلّ اعتماده على بدوي، الذي اقتصر دوره على التصحيح اللغوي وتقويم العبارة العربية.
وفي كتابه "الكبار يضحكون أيضًا" يحكي أنيس منصور ذكرياته وهو طالب في كلية الآداب، وما شاهده من تفاصيل مناقشة كراوس لبدوي في رسالة الدكتوراه، ليقول: "وتحدث المستشرق الألماني بول كراوس، وكان واضحًا، وأبدى ملاحظات وجيهة ولكنها شكلية، وليس من المناسب أن أذكرها فهي فلسفية منهجية عويصة، ولكن ملاحظات كراوس هي الأصح، فقد أُخِذ على بدوي التوسع في استخدام المصطلحات الفلسفية".
ويذكر منصور في كتابه السابق أثر كراوس عليه في الجامعة: "ولكن المستشرق الألماني كراوس هو أول من قال لي كيف أمسك كتابًا، كيف أقلبه، كيف أعرف الموضوعات التي يتناولها وكيف أقرأ الهوامش وفهرس الموضوعات والأسماء وأين أجد كل ذلك؟"
وقد ذكر منصور أن ثلاثة دفعوه إلى الدراسة الأدبية والفلسفية، وهم: شوقي ضيف، ولويس عوض، وبول كراوس.
وإذا كان بدوي قد تعرف على كراوس من مذكرة الترشيح التي كتبها في حقه لويس ماسينيون، فإن أنيس منصور تعرف على كراوس من خلال صوته العالي أو تحديدًا "زعيقه" في المدرج 78، حيث يحاضر عن جابر بن حيان: "ينطقها بملء الفم، ثلاث نقط تحت الجيم، والألف ممدوة طويلة، وكان يرفع رأسه حتى تخرج الألف من أعماقه إلى السقف، كأنه يوحنا المعمدان الصارخ في البرية".
وكتب أنيس عن المشاريع التي طلب كراوس منه ومن وزملائه أن يبحثوا فيها، وماذا يقرؤون وكيف يبحثون، وكان يقول لهم: "إذا وجدتم صعوبة أو طال البحث أو ضقتم، أو حارت أقدامكم أو عقولكم، كلموني .. طاردوني.. انتظروني".
ولم يكن أنيس من طلبة قسم الدراسات الشرقية حيث يعمل كراوس، ولكنه كان معجبًا به، ولم يأل أنيس جهدًا في أن ينفذ طلبات كراوس إليه، كمراجعة مفردات القاموس العربي اللاتيني اليوناني، وما يطلبه من أبحاث، وكذلك استعارة الكتب لكراوس من مكتبة الجامعة، ومكتبة دير الدومينكيان، كان أنيس متطوعًا في كل ذلك.
ويقول: "وتركت كراوس ولم أرفع عيني عن أبحاثه، ولكنه استطاع أن يغرس في أعماقي أسماء عدد كبير من المستشرقين العظماء، وهو الرجل الوحيد الذي علمنا القراءة، وعلمنا أن نكتب كل اسم بالعربية وبالحروف اللاتينية، وأن نفعل ذلك كثيرًا حتى لا ننسى".
ومن النوادر التي يحكيها أنيس عن كراوس، أن كل الكتب التي كان يرشحها لهم للقراءة كانت في بيته، ولم يردها للمكتبة، لأنه كان يؤمن أن سرقة الكتب ليست حرامًا، بل كان يشجعهم على سرقة الكتب! وتمشيًا مع مذهبه، سأله أنيس: ماذا لو سرقنا كتبك؟ فقال كراوس: كتبي لا، كتب الدولة نعم!
وقد درّس كراوس في كلية الآداب، بقسم اللغة العربية، فكانت دروسه في اللغات السريانية ثم العبرية وذلك بعد خروج إسرائيل ولفنسون من الكلية عام1937م، ثم درّس فقه اللغة العربية بعد رحيل يوسف شاخت إلى إنجلترا عام 1939م، وهذا يدل على ما تبوأه كراوس من مكانة كبيرة في سن صغير، لدرجة خلافته لمستشرقين كبار في محاضرتهم، وهذه هي دروسه في مرحلة الليسانس، أما في مرحلة الماجستير، فكانت دروسه حول التراث اليوناني في العربية، وقراءة وشرح النصوص العبرية، وقد حضر بدوي هذه المحاضرات.
القرآن شِعر!
يذكر بدوي في مقالته عن كراوس، أنه في العامين الأخيرين من حياته وقبيل الانتحار، انشغل بفكرة أن نصوص الكتاب المقدس شعر وليست نثرًا، وراح يتلمس تلاوة صوتية معينة ليثبت نظريته، وقد ألقى كراوس محاضرات في القاهرة أولًا عام 1943م، ثم في القدس في كانون ثانٍ/يناير 1944م، وقد هوجم في القدس على هذه المحاضرات هجومًا عنيفًا، ويقول بدوي: "قد لقيته غداة عودته من هذه الرحلة فوجدته في ضيق شديد، بسبب هذه المعارضة".
وإذا كان بدوي قد أشار إلى أن فكرة كراوس كانت عن الكتاب المقدس، فقد وضّح الأستاذ عبد المنعم شميس، وهو من تلامذة كراوس والمقربين منه، أن فكرة كراوس كانت بخصوص القرآن الكريم، لدرجة أنه أعد بطاقات يسجل فيها بحثه الجنوني، ويقول شميس: "وبدأ يقطع الآيات على موازين الشعر العربي المعروفة والمجهولة، وإذا أعجزته الحيلة استرجع أوزان أو موسيقى الشعر العبري أو السرياني في محاولته، فينشد أشعار نشيد الأنشاد أو شعر الأشعار من التوراة باللغة العبرية ثم يرتل بعض آيات القرآن باللغة العربية، ويحاول أن يوجِد صلة بينهما من ناحية الوزن والموسيقى".
وقد وثق شميس في كتاب "حرافيش القاهرة" مشاهداته للحظات تفاعل كراوس مع هذه الفكرة الغريبة، فيصفه شميس بقوله: "وفي سهرة ثانية من هذه السهرات، بذل كراوس مجهودًا غريبًا في محاولة إيجاد ميزان شعري لسورة الرحمن، وظل يقفز في الغرفة قفزات تشبه قفزات المايسترو المجنون الذي فقد السيطرة على الأوركسترا، وظل يتحرك وحده على خشبة المسرح وفي يده عصاه تتحرك نحو المجهول".
وقد شرح شميس لكراوس ما ذكره طه حسين من أن الكلام: شعر ونثر وقرآن، وأن القرآن ليس شعرًا ولا نثرًا، وأنه كلام معجز لفصحاء العرب، وذيّل شميس حديثه باستدلال، فأخبره بأن سورة الكوثر -أقصر سور القرآن- مكونة من ثلاث آيات، فهل هذه السورة بيت ونصف من الشعر؟
ثم يصف شميس كراوس بعد طرح سؤاله فيقول: "فجلس إلى مكتبه وقلَّب صندوق بطاقاته، ثم عبث بخصلة شعره، التي كانت تتراقص فوق جبهته، وأشعل سيجارة، ونظر إليّ طويلًا نظرات هيسترية، وقال لي: في المرة القادمة سأشرح لك كل شيء..".
ولم تأت المرة القادمة ليشرح كراوس لشميس أي شيء، فقد انتحر!
سرديات الانتحار
بعد الحياة الحافلة التي عاشها وما قدمه من كتب وأبحاث وتحقيقات تراثية، أقدم كراوس على الانتحار في ظروف غامضة، وهو الذي ملأ الدنيا بحضوره الطاغي في الجامعة، ليتكهن كثيرون بالأسباب التي دفعته للانتحار، فيصرح بعضهم بالأسباب، ويلمح البعض بإشارات خفيّة.
يذكر نجيب العقيقي في كتابه "المستشرقون"، ويبدو أنه كان على صلة بكراوس، أن انتحاره: "لأسباب سياسية وعائلية وفكرية، أسرَّ ببعضها إلى المؤلف عام 1944"، ولم يذكر لنا العقيقي هذه الأسباب، فقد أجمل الخطاب ولم يفصّل الجواب، ولم يوضح أي شيء نستدل به على هذه الادعاءات، لكن بمضاهاة كلامه ومقارنته بمن كتبوا عن كراوس، نستطيع بشيءٍ من التأمل استشفاف هذه الأسباب، حيث قدّم إلينا العقيقي الخطوط العريضة، وفي كتابات الآخرين بعض التفاصيل.
- السردية الأولى: الاختلاس
من سرديات الانتحار التي كتبها الدكتور نصار عبد الله في مجلة الدوحة، نقلًا عن أستاذه توفيق الطويل، أن الدكتور طه حسين -عميد الكلية- كان قد كلفه بتزويد المكتبة بالكتب والمخطوطات من فلسطين، وحين عاد اكتشفت إدارة الحسابات أن كراوس لم يقدِّم الفواتير التي تثبت أسعار الكتب وقيمتها، فرفعوا الأمر إلى طه حسين، ليكلِّف الدكتور مصطفى عامر من قسم الجغرافيا، والذي كان يتأهب للسفر إلى فلسطين لأمر ما، بمراجعة المكتبات التي تعامل معها كراوس، وإحضار الفواتير بما اشتراه، لتحل المفأجاة! وهي أن كراوس قد اختلس معظم الثمن لنفسه، ويضيف نصَّار أن هذه الواقعة تزامنت مع مرور كراوس بأزمة عاطفية فاشلة، فلم يستطع تحمّل الفضيحة المالية والفشل العاطفي، لذا أقدم على الانتحار بشنق نفسه.
وما يدحض سردية نصّار نقلًا عن الطويل أن طه حسين لم يكن عميًدا للكلية في الأربعينيات، وهذا ما ذكره الأستاذ رجاء النقاش في تعليقه على مقالة نصار.
- السردية الثانية: الصهيونية
سافر كراوس قبيل انتحاره بشهرين تقريبًا إلى القدس ليقضي عطلة الصيف، وحين عاد في أيلول/سبتمبر لبدء العام الدراسي الجديد، لم يكن على ما يرام، فيصف بدوي هذه اللحظات بقوله: "وجدته في حالة اضطراب نفسي غريب، وقد استولت عليه ألوان من الوساوس، وبدت عليه مظاهر العصبية الشديدة في أقواله وسمات وجهه وحركاته، ولم أستطع أن أتبين منه السبب في هذه الحالة التي لم أعرفها فيه – على الأقل بهذه الحدة – من قبل".
الخيط الوحيد الذي وجده بدوي لتفسير قصة انتحار كراوس، هو أنه في يوم 6 تشرين ثانٍ/نوفمبر 1944م، قُتِل اللورد موين، الوزير البريطاني المقيم في الشرق الأوسط، على يد إرهابيين صهاينة، وحين قبضت الشرطة المصرية على القتلة، وجدت بحوزتهم عنوان بول كراوس، وكان هولاء القتلة من عصابات شتيرن الإرهابية الصهيونية.
وهنا يفترض بدوي، وعلى حد قوله: "مجرد فرض لا دليل قاطعًا على صحته"، أن كراوس كان على صلة بمنظمة شتيرن، وحين ذهب إلى القدس قبيل وفاته، وقع الاختيار عليه لينفذ عملية اغتيال اللورد موين، فلبث في حيرة من أمره، إما أن يشارك في الاغتيال وإما أن ينتحر، فهو في الحالين مقتول، فآثر أن ينتحر بدلًا من المشاركة في الاغتيال الذي سيترتب عليه إعدامه كما حدث للقتلة، وفي أيلول/سبتمبر، قبل عملية موين بشهرين، علّق كراوس نفسه بحزام بيجامته في عمود سيفون المرحاض داخل شقته بالزمالك.
وقد اتفق مع بدوي في هذه السردية طه الحاجري، الذي رأى أن قوى الصهيونية كانت تسعى وراء كراوس لتجنيده في صفوفها، كي يتجسس لصالحها ويخدم أهدافها، غير أن كراوس "خيَّب بانتحاره رجاءهم"، كما يقول الحاجري.
ويصف الأستاذ رجاء النقاش بول كراوس بأنه كان يرفض الصهيونية، ومعارضًا لقيام دولة إسرائيل، رغم أن انتحاره كان في عام 1944م، أي قبل إعلان قيام الدولة بأربعة أعوام، فهل كان كراوس على علم بهذا؟
غير أن الأستاذ النقاش أضاف بُعدًا آخر لهذه الأزمة، وهي أن كراوس كان محبًّا لمصر وللعرب، وقد سارت حياته في مصر بنجاح ومثالية، فقد رأى أنها أتاحت له الفرصة لتحقيق أحلامه وآماله وطموحاته، وهو ما تؤكده الشواهد كلها، من حيث التلاميذ والكتب والدراسات وحضوره الأكاديمي والثقافي.
- السردية الثالثة: الحب
أحد التفاسير التي ذُكِرت حول انتحار كراوس كان الفشل العاطفي، وسبق وذكره نصار عبد الله نقلًا عن توفيق الطويل، فقال إن كراوس مرّ بتجربة حب فاشلة لم يستطع النجاة منها، فدفع بنفسه إلى الانتحار ليرتاح من عذابه النفسي، غير أن هناك ما ينقد هذه السردية، وهو أن كراوس قد تزوج في عام انتحاره في أثناء أو بعد رحلته للقدس، لم يحدد بدوي -الذي ذكر هذه القصة- تاريخ الزواج بالضبط، لكنه يذكر أن هذه الزوجة لم ترافقه في رحلته إلى مصر، لكنها جاءت في أواخر أيلول/سبتمبر لتأخذ حقها في الميراث!
- السردية الرابعة: الجنون
كان عبد المنعم شميس على صلة وثيقة بالدكتور يوهان فوك أحد المستشرقين الألمان الكبار، والذي عمل مديرًا لمعهد الدراسات الاستشراقية في جامعة مارتن لوثر بمدينة هالة الألمانية، وفي مجالس شميس، ذكر له فوك أن كراوس كان يعرف أكثر من اثنتي عشرة لغة معرفة كاملة في نحوها وصرفها ومفرداتها وأسرارها، ولكن جنون العبقرية دفعه إلى الانتحار.
وحين ذكر شميس لفوك فكرة كراوس المجنونة بخصوص الشعر والقرآن، قال له فوك: "أعرف كراوس وشطحاته المجنونة، ولا عجب في أن يقول هذا الكلام".
غير أن شميس يذكر سببًا آخر للجنون هو العزلة المفرطة التي حبس كراوس نفسه فيها، وذلك بسبب خسارته لزوجته، التي ماتت هي وطفلها في أثناء الولادة، فاستبد الحزن به، وحوّل شقته بالزمالك إلى مكتبة ضخمة، ساعده في ذلك أحد النجارين والذي كان كراوس صديقًا له، وعاش كراوس كما يقول شميس في هذا المحراب حتى انتحاره.
- السردية الخامسة: الحزن
بعد انتحار كراوس، كتب صديقه يحيي الخشاب مقالة بديعة في رثاءه، يصفه بـ"صديقنا المحبوب: بول كراوس"، ويقول بأن كراوس كان "فخرًا للجامعة، وكسبًا لها"، إلا أن الخشاب قد ذكر في هذه المقالة بعض الأشياء عن كراوس تستدعي الحزن والمرارة، من ذلك أن زوجته ماتت وهي تلد ابنته، وحالت دونهما الأقدار لتستقر الفتاة في حضانة في القدس، كما أنه تلقّى خطابًا من أخته، تخبره فيه أن أخاها، الذي كان يرعاها صار في عداد المفقودين، حتى أصبحت بلا حامٍ لها ولا راعٍ.
ويختم الخشاب مقالته بالدعاء لكراوس: "اللهم ارحمه بقدر ما أفاد من العلم، وبقدر ما تحمل من إيذاء".
تعددت الأسباب والانتحار واحدٌ، وإن كان الأستاذ رجاء النقاش يشير إلى أن هذه الأسباب كلها ربما تكون قد تعاضدت وتشابكت بشكل ما، لتنسج الخيوط كلها، وتخيم على كراوس بظلالها، لتُسهل عليه مهمة الانتحار، فقد رأى أن أصل المشكلة كلها وبداية الخيط هو الصهيونية، ويبدو كلام النقاش، بجمعه إلى ما ذكر سابقًا من كلام بدوي والحاجري، صحيحًا، ويضيف النقاش في محاولته لربط الخيوط كلها ببعضها، أن الصهيونية هي التي دبرت لكراوس الفضيحة المالية، بالإضافة إلى قصة الحب الفاشلة، وكذلك محاولتهم لتجنيده في صفوفهم، وجراء هذه الضغوط كلها سقط كراوس صريعًا.
ويرى كاتب هذه المقالة أن الهموم قد تداعت على كراوس، وهي التي دفعته إلى الانتحار، سواء كانت عائلية كما ذكر الخشاب وشميس، أم سياسية كما ذكر بدوي والحاجري، أم حتى نفسية كما ذكر فوك، وربما مزيج من هذه الهموم كلها، والسرديات الخمس التي ذكرتها، هي التي أجملها العقيقي حين قال: "أسباب سياسية وعائلية وفكرية".