المتتبع لسيرة القاهرة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والتحوّلات التي حلّت بها، يُدرك أن هذه التحوّلات ارتبطت بحوادث مهمّة، كان لها دورًا كبيرًا في التغيرات التي حلّت على بنية المجتمع ظاهريًّا وأخلاقيّا.
كان تاريخ افتتاح قناة السويس في الـ 16 من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1869، الذي شهد حضور الإمبراطورة أوجيني زوجة إمبراطور فرنسا نابليون الثالث، والعديد من الشخصيات العالمية، حدثًا استثنائيًا في تاريخ مصر، ورغم أن الافتتاح تمّ في مدينة الإسماعيلية، إلا أن القاهرة شهدت قبل الافتتاح متغيّرات كثيرة.
على إثر هذه الزيارة، مُهّدت الطرق ورُصفت شوارع المدينة، وشُيّدت دار الأوبرا، وغيرها من مبانٍ حديثة جعلت من القاهرة واجهةً حضاريةً تُنافس كافة الحواضر الأوروبية، أو "قطعة من أوروبا" كما أرادها الخديوي إسماعيل نفسه، وفي مقابل هذا تحمّلت مصر وشعبها فاتورة هذا البذخ الكبير، والإسراف المبالغ فيه كي يظهر الخديوي بمظهر يليق به أمام الحضور. لكن كان الحدث فارقًا في عملية التحديث.
بداية حقبة التحديث
شهدت القاهرة حوادث كثيرة أثّرت في تشكيل ملامحها، ومن هذه الأشياء المهمّة التي حدثت، وكان لها بالغ الأثر في إحداث متغيرات على كافّة المستويات، هو إنشاء خطّ الترام في القاهرة في الـ 12 من آب/أوت 1896، وهو تاريخ يُعدُّ نقطة تحوّل محورية في المجتمع المصري؛ إذْ مثّل نقطة فاصلة لإعلان نهاية حِقبة مجتمع البداوة، وبداية مجتمع الحضارة والمدنيّة الذي دخلته القاهرة آنذاك.
فالترام لم يكن فقط وسيلة نقل قَضت على عصر البغال والحمير والعربات والطرق غير المُعبَّدة، وإنما كان نقلة حضارية بمعنى الكلمة؛ إذ أسهم في تغيير خريطة القاهرة المعمارية من جهة، ومن جهة ثانية غيّر من عادات المجتمع المصري، وأدخل عادات لم تكن معروفة من قبل.
وفي هذا يقول المهندس عمرو عصام إن "الكثير من المدن شكّلتها القضبان .. بين تلك – التي كانت القضبان بالنسبة لها عائقًا وفاصلًا ومحددًا. وبين النقيض من ذلك، تقف القاهرة في مسافة بينية كنموذج للمُدن التي لعبت القضبان دورًا رئيسًا في نموها وتطورها العمراني. سواءً شكلّت حدودًا فاصلة ومحددات واضحة من خلال الخطوط الحديدية لسكك حديد مصر ومترو أنفاق القاهرة الكبرى. أم كانت جزءًا من نسيج طرقات وشوارع المدينة مثل الخطوط الحديدية لشبكة ترام القاهرة – لا تزال القاهرة واحدة من المدن التي شكلتها القضبان".
ربّما يتفق كثيرون مع وجهة نظر عمرو عصام، في أن القاهرة مدينة شكلتها القضبان، وإن كان هناك عوامل كثيرة ساهمت في تشكيلها ديموغرافيا وعمرانيًا إضافة إلى هذه القضبان؛ فالقاهرة مدينة معقدّة، وتعقيدها كان نتيجة لطبيعتها الجغرافية، وعوامل سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية، وهو ما صبغها بهذه الصبغة التي جعلتها مدينة تقاوم المحتل والغازي، وتقهر أعداءها، وتمنح محبيها ومرتاديها هويّتها.
قصّة الترام ودخوله القاهرة، كما يرويها محمد سيد الكيلاني في كتابه "ترام القاهرة: دراسة تاريخية واجتماعية، أدبية"، يمكن باختصار اعتبارها قصة التحوّل الحضاري للقاهرة مع بداية القرن العشرين، فلم تكن حركة البعثات التعليمية التي أُرسلت إلى أوروبا، وبدأت ثمارها مع عودة الطلاب هي السبب الوحيد في التغير (الجذري) الذي شهده المجتمع المصري فحسب، وإنما كان الترام وسيلة المواصلات الجديدة التي انتشرت في شوارع القاهر، وسببت هلعًا للكثيرين ممن يخشون يد الحداثة والتحديث؛ وهو العاملَ المهم في تغيير الطبيعة السكانية والأخلاقية قبل تغيير المعالم الجغرافية والحضارية.
لقد استطاع الترام أن يكسر العزلة التي كانت تعيشها أحياء القاهرة، فصار حلقة وصل بين أحيائها، وغيرها من أحياء ومناطق بعيدة عن حيزها الجغرافي والعمراني، فيسّر دائرة الاتصال بين الأماكن.
وقد عبّر حافظ إبراهيم في "ليالي سطيح" (1906) عن حالة المجتمع المصري قبل الترام قائلًا: "كان أهل الحيّ قبل إنشاء الترام يجتمعون في الدور، ويتزاورون في القصور، وكان سراتهم وذوو اليسار منهم يجلسون في بيوتهم للسمر، فيغشاها العالم ويؤمّها الكاتب، ويقصدها التاجر، وينتجعها الأديب فتجري الأحاديث، وتقوم سوق النقاشات. يحدث الحادث فيخوضون في ذكره، وتنزل النازلة فيجمعهم الألم على العمل على إزالتها. وتطل رؤوس المشروعات فلا يفتؤون يتبينون معارفها، حتى يقتلوا شؤونها بحثًا، ويقفوا على وقائعها جدالًا، وينزل بأحدهم المكروه، فلا يزالون يتلطفون بالسعي له، حتى يأخذوا بيده، وينهضوا به من عثراته. عقدت بينهم الزيارات عُرَى المودّات، فتراهم كأنهم أهل بيت واحد، يألم الجار للجار، ويأخذ الناهض بيد العثار".
الترام بين القبول والرفض
لكن مع دخول الترام تغيّر الحال، فصار هو الوسيلة الأهم، إذ يحكي جلال أمين في كتابه "ماذا حدث للمصريين؟" عن علاقة أبيه الأستاذ الجامعي الذي لم يترك عادته بالذهاب إلى الجامعة بعربات المترو، رافضًا أن يشتري سيارة رغم أن كثيرين اقتنوها.
لجوء الناس إلى الترام أعقبه تفكّك روابط الأسرة، وحدث ما وصفته الأدبيات التي سجلت تأثير الترام في الحياة بـ "الانحلال"، فخرج الناس إلى الشوارع والمتنزهات، ولم تعد البيوت هي محلّ السّمر والاجتماع، وقد وصفت جريدة المقطم هذا التأثير فقالت: "وانحلت روابط الأهل والأقارب، ويبُس ما بين البيوتات، فتناكر الإخوان، وتدابر الجاران، وأقفرت المنازل من أنس السمر، وألَف الناس الجلوس في المنتديات، حتى إنهم ليوحشوا في ديارهم لقلة زوارهم. وأصبح المرء في داره حاضرًا كالغائب، مقيمًا كالنازح، يعلم من حال البعيد عنه، ما لم يعلم من حال القريب منه".
لم يكن قبول الترام سهلًا، فرجال الدين كما يقول الكاتب محمد سيد كيلاني، اعتبروا الترام من "المحدثات وعلامة الساعة ومن خصائص آخر الزمان، قد سهّل على غويّهم ارتكاب الفواحش، واجتراح السيئات، وأمسك لسان رشيدهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
وهناك مَن اعترض على أن فكرة إنشاء الترام بواسطة شركة أجنبية بمثابة توغل للاستثمارات الأجنبية على حساب المحلية، وضياع فرص لأبناء البلد، فذكرت صحيفة "الشرق" بتاريخ ( 10.08.1896) "ونحن لم نزل نردّد ما قلناه في هذا الصدد، وهو أن سير المركبات الكهربائية في عاصمة القطر المصري، وإن كان يدل من الجهة الواحدة على دخولنا في أدوار الحضارة، وولوجنا أبواب المدنيّة، واقتدائنا بغيرنا من جماعة المتمدنين، حتى أصبحت عاصمة بلادنا لا تقل في الفخامة والأبهة، ووجود معدّات الراحة عن أشهر العواصم الأوروبية، إلا أن ذلك يظهر من الجهة الأخرى مقدار تهاملنا وتساهلنا في القيام بمثل هذه المشروعات من تلقاء أنفسنا، والاعتماد على الأجانب في كل أعمالنا وأحوالنا.
وأردفت أن "تسيير مركبات الترامواي في مصر بواسطة شركة أجنبية هو عنوان عار، وعلامة خزي تلحق أغنياء هذه البلاد ووجهائها، وتذكرهم بسوء تدبيرهم، وشدة تقصيرهم، فعسى أن يكون في ذلك عبرة وتذكرة لأولى الألباب في مستقبل الأيام".
حالة السُّخط من الشركات الأجنبية كان له مبرّره، فلقد سبق شركة الترام شركة المياه، وكان الناس غير قادرين على الحصول على المياه منها، وبالمثل شركة غاز الاستصباح التي اكتفت بإنارة الشوارع الرئيسية وبيوت الأغنياء، وعندما قدمت شركة الترام وهي شركة بلجيكية، حقّقت أرباحًا مهولة، لدرجة أن السهم ارتفع من عشرين جنيها إلى ستين وسبعين جنيها، وهو ما حفّز شركات أجنبية أخرى إلى الاستثمار في مصر.
وبالفعل حصلت شركة إنجليزية على امتياز التنقيب عن البترول، وحصلت شركة أخرى من موطنها، على حق احتكار بيع الملح في الداخل والخارج، وهو ما جعل مصر سوقًا للاستثمارات الأجنبية، تدرّ أرباحًا كبيرة لا تعود بالنفع على المصريين.
كان لتوسّع الشركات الأجنبية انعكاساته الخطيرة على المستوى الاقتصادي لأفراد الشعب المصري، وكذلك على مستوى التعليم، فهذه الشركات لا توظّف إلا الأجانب، ومَن يجيدون اللغات الأجنبية إجادة تامّة، وهو ما حرم أبناء الشعب المصري من العمل في هذه الشركات، وصار يُعيّن فيها أبناء الأجانب نظير مرتّبات مغرية، وإن التحق المصري بالعمل في هذه الشركات فلن يحظى بما يحظى به الأجنبي.
ونتيجة لفرض اللغة الأجنبية على العاملين رفض سعد زغلول طلب أعضاء الجمعية العمومية في جلسة آذار/مارس 1908 أن يكون تدريس المواد في المدارس باللغة العربية، وحجّته حسب قوله: "إذا فرضنا أنه يمكننا أن نجعل التعليم من الآن باللغة العربية، وشرعنا فيه فعلًا، فإننا نكون قد أسأنا إلى بلادنا وإلى أنفسنا إساءة كبرى، لأنّه لا يمكن للذين يتعلمون على هذا النحو أن يتوظفوا في الجمرك والبوستة والمحاكم المختلطة، والمصالح العديدة المختلفة التابعة للحكومة، والتي يقتضي نظامها وجود كثير من الموظفين العارفين بإحدى اللغات الأجنبية حق المعرفة، ولا أن يُستخدموا في بنك أو مصرف، ولا أن يشتغلوا في شركة من الشركات الأجنبية التي كثر تأسيسها الآن في بلادنا، .. ولا غير ذلك من كل ما يحتاج فيه إلى البراعة في لغة أجنبية، وهو كثير جدًّا في بلادنا".
وكان للحوادث التي وقعت بسبب الترام دافعًا جديدًا للهجوم عليه، وصفه البعض بأن "عزرائيل يمشي من خلفه متهيئًا لقبض الأرواح"، ونظرًا لكثرة الحوادث صارت الصحف تنشر قسمًا خاصًا بها لمتابع الحوادث التي تنجم عن الترام وهو يسير في الشارع، أو الصدامات التي تحدث بين أفراد الشعب ومحصلي التذاكر. فنشرت صحيفة "الأخبار" بتاريخ (12.12.1896) مقالًا تحت عنوان "شرور الترامواي" جاء فيه: "رخُصت الأرواح، فافتتح ركوب عربات الترامواي بابًا لبيعها وشرائها، فكأن الترامواي بعرباته عنترة العبسي بفرسه وسيفه إذْ قال:
- حصاني كان دلال المنـــــــــــايا فخاض غمارها وشرى وبــــــــاعا
- وسيفي كان في الهيجا طبيبًا يداوي رأي مَن يشكو الصداعا
وها هو شاعر آخر يقدح الترامواي قائلًا:
- إن الترامواي على القاهرة مصيبة يا قومنا قـــــــــاهرة
- فكم قلوب هالها رهـــــــــــــــبة وكم نفوس غالها طاهرة
- وكم وكم أيدٍ به قطـــــــــعت وأرجل أضحت به طائرة
- يجري وعزرائيل من خلفه يمد للقبض يـــــدا غــــــــــادره
وصف بعضهم تلك المرحلة بتغير أخلاق المصريين، فوقف الشباب على النواصي في انتظار النساء اللاتي يرتدن الترام، وانتشرت مظاهر المعاكسات والتحرّش، إذ تصف جريدة "المقطم" تبدل أحوال الناس هكذا: "تجدهم عصارى كل يوم في محطة الكهربائية العمومية، يركبون القطار ذهابًا وجيئة، وليس لهم من أرب سوى التهكم وإبداء سفالتهم لكل امرأة يجدونها في القطار وحدها، ولا رجل معها".
من جهته، حذّر مصطفى لطفي المنفلوطي من العادات الجديدة التي طرأتْ على المصريين فكتبَ مقالًا يُظهر حالة الاستياء مما وجده من تبدل أحوال الشباب، وتغيّر سلوكياتهم، ولم يقتصر الأمر على إرسال الرسائل للفتيات، ومطاردتهن في الشوارع وفي عربات الترام، بل وصل الأمر إلى مطاردتهن حتى بيوتهن.
حالة الفوضى التي أحدثها الترام لفتت انتباه كثير من الكتاب والصحافيين، ففي جريدة اللواء، يكتب سيد علي بتاريخ (21.05.1908)، واصفًا الحال الذي صار عليه الناس بعد ركوب الترام: ".. وجدت نفسي محاطًا بعربات لا شاغل ولا همّ لراكبيها إلا تبادل النظرات، وتجاذب الابتسامات، والمحادثة بالإشارات، وقد تساوى الرجل مع المرأة في التأنّق. فهذه جالسة بغير إزار، مزحزحة النقاب إلى ما تحت الأنف والفم، مكشوفة الصدر، عارية النصف الأعلى من الظهر".
الترام والاقتصاد
صحب هذه التغيرات تغيرات في الاقتصاد، فالأراضي والمنازل التي كانت بجوار الترام ارتفع سعرها، بل صار الترام وسيلة إغراء في الإعلانات التجارية، فظهرت إعلانات في الصحف ترغّب المواطنين شراء الأراضي هكذا: "على مسافة بعض أمتار من خط الترامواي"، وعندما اعتزمت الشركات بناء مدينة مصر الجديدة، نشرت إعلانًا عن تأجير مساكن في عين شمس، هليوبوليس "للإيجار بجانب الجامع الجديد والترامواي الذي سينشأ قريبًا، بيوت على الطراز التركي، مؤلّفة من ثلاث غرف، أو أربع، وفسحة وفرن، الأجرة من 60 إلى 140 قرشًا".
كما استخدمت عربات الترام نفسها كوسيلة دعاية، فلجأ صاحب إحدى المدارس الخاصّة للإعلان فاستأجر إحدى المركبات الكهربائية، وزينها بالورود والرياحين، وعلّق بها لوحات تحمل اسم مدرسته وعنوانها، وسيّرها في جميع الشوارع التي تمتد فيها خطوط الترام، إيذانًا بافتتاح تلك المدرسة".
انعكس إنشاء خطوط الترام أيضًا على الرقعة الجغرافية والطبيعة العمرانية التي تغيرت جذريًا، فتحوّلت العشش الكثيرة والأراضي الخراب إلى بيوت أنيقة على أحدث طراز "وزادت أثمان البقع الواقعة في وسط المدينة صفًا وصفين وثلاثة أضعاف".
كما أسهم الترام في إحداث ثورة هائلة في الحركة العمرانية، وغيّر من نظرة السكان إلى المنازل "فبعد ما كانوا يألفون السُّكْنى في الحواري الضيقة، وأشرافها يفضلون الإقامة في الأزقة المسدودة، ويدفعون الثمن الأعلى في آخر بيت منها، لبعده عن الحركة والضوضاء، والغوغاء، صاروا لا يألفون إلا السُّكْنى في الشوارع الواسعة، ويطلبون المخرج قبل المدخل".
حالة التوسّع في الامتداد العمراني، بإنشاء أحياء جديدة، على نحو أحياء مصر الجديدة، والمعادي، تطلّبت مدّ خطوط مواصلات وطرق جديدة لوصل المدن الجديدة بأماكن العمران، وبالفعل قامت الشركة التي بدأت في تصميم حي مصر الجديدة (أو هليوبوليس) بإنشاء الترام السريع (المترو)، وبالفعل بدأ تسييره سنة 1910، كما مدت خطًا للترام العادي ينتهي إلى العباسية، وخطًا آخر إلى الزيتون.
ومع التوسّعات العمرانية، وبناء المدن على النمط الأوروبي تغيّرت وسائل التسلية مع إنشاء المدن الجديدة، فتمّ إنشاء مدينة للملاهي، فتوافد إلى الملاهي باستخدام وسائل المواصلات الجديدة، وساهم المترو في نقل الناس إلى أماكن الترفيه، للاستمتاع بالألعاب. وقد عبّر أحد الشعراء عن هذا التأثير الذي أحدثته الملاهي هكذا:
- ركبت الترام عشاء فراح يجد المسير لوادي القمر
- ولما وصلت هناك رأيت سنا الكهرباء يقر النظر
- ملاهٍ تسر وتبعد عن نفوس الحضور دواعي الكدر
- ......
- وبينما أنا فرح معجب بما من خلال همو قد ظهر
- إذا بفتى وإلى جنبه أوروبية من ذوات الحور
- يقول لها وتقول له حديث الغرام بغير حذر
- وكانا من السكر في حالة تمثل خلق رعاع البشر
ومن "الآثار السلبية" لظهور الترام في حياة الناس، ما هو اعتبر وقتها من طرف مشايخ الدين تفكّكًا أخلاقيًا، فوجود الترام شجّع الشباب على إحياء السهرات، وهو ما جعل، كما يقول محمد سيد الكيلاني، "خُطّاب المساجد يبكون على المنابر، ويذرفون الدمع السخين، قائلين بدنو الساعة، واقتراب يوم القيامة، وأن الدين قد تركت أحكامه، واشتبهت أعلامه". وتأثرًا بما آل إليه مصير الشباب، كتب صاحب "المنار" مقالات طويلة بين فيها "الأضرار التي أصابت المسلمين بسبب هذا الخطب".
وكان لكثرة الناس الذين أخذوا يركبون الترام، من مختلف الطوائف، ما سهّل انتشار السرقات، فزاد عدد النشالين وهو ما سجّلته جريدة "اللواء" في تحقيقها الصحفي بتاريخ: 02.10.1910 بعنوان "الركوب من الشمال" وقد وردف فيه: "كثرت شكاوى الجمهور من ضياع بعض أشياء سُرقت منهم أثناء ركوبهم مركبات الترام، ثم اتضح أن اللصوص إنما أولئك الأولاد الذين يتعلقون من جهة الشمال، بحجّة اللعب أو الركوب، حتى إذا صادفوا غرة من أحد الركاب؛ سلبوا منه ما تصل يدهم إليه".
لا أحد ينكر أن الترام أسهم في نمو النشاط التجاري، فوجوده في أحياء القاهرة وشوارعها، سهّل حركة الانتقال من مكان إلى مكان في أي وقت، وكانت الخطوط تبدأ من ميدان العتبة، أو تنتهي إليه، وقد نتج عن هذا إنشاء المحلات التجارية الكبرى في حيّ الأزبكية.
ومع التوسّعات العمرانية تنوّعت مصادر جديدة للتجارة والدخل، كالاتجار في مواد البناء، ومصانع الطوب، وهو ما أسهم في إيجاد فرص عمل وموارد رزق للمواطنين، كالنجارين والحدادين والبنائين، ومركبي البلاط والأدوات الصحية والكهربائية ومع امتداد خط الترام إلى حي شبرا، والساحل زادت حركة التجارة، إضافة إلى بدأت هجرة داخلية من الأقاليم إلى العاصمة.
ومن الإيجابيات التي خلقها وجود الترام في حياة المصريين، وخاصّة العاملين، هو أنه ساهم في قيام حركة نقابية عمالية، فقُرْب المسافات، ساعد على الاجتماعات للمطالبة بحقوق العمال، وتوحيد كلمتهم، فعلى أثره ألّف عمّال مصانع السجائر نقابة ترعى شؤونهم، وتدافع عن حقوقهم، وفي عام 1901 اعتصم الخياطون الذين يعملون في مصانع الملابس الجاهزة، وقرّورا الإضراب في قهوة ألف ليلة وليلة بالأزبكية، كما احتجّ عمّال الترام أنفسهم واعتصموا في تشرين الأوّل/أكتوبر 1908، وجلسوا على الخطوط في مخزن شبرا، والعباسية والجيزة، وانحصرت مطالبهم في أن تكون مدة العمل 8 ساعات بدلًا من 13 ساعة، وزيادة المرتبات، وحقهم في الإجازات الاعتيادية والمرضية، وغيرها من مطالب تحفظ هيبتهم، وتمنحهم مكانة بحيث لا يتم فصلهم فصلًا تعسفيًا.
هذا التطوّر المهمّ في الحركة النقابية، قد يعزى إلى عمّال الترام، حيث قاموا بأكثر من اعتصام، منعوا خلاله خروج عربات الترام من المخازن، وهو ما عرقل حركة المواصلات، فاضطرت الحكومة إلى التعامل بعنف مع المحتجّين والمتظاهرين، وقد فسّر البعض أن حركات العمال كانت إرهاصًا بما سوف يحدث خلال ثورة 1919، فعمال الترام، وعمال عنابر السكة الحديد كانوا أول مَن لبّى دعوة تحرير مصر من الاستعمار البريطاني.
ومن جانب آخر، كان لهذه الاحتجاجات والدفاع عن حقوق العمال تدشينًا للتفكير في أحزاب اشتراكية، تكون مهمتها الدفاع عن حقوق العمال، وتحقيق العدالة الاجتماعيّة، والمساواة، وهو ما ظهر في مقالات سلامة موسى الذي كان يدافع عن الاشتراكية، وبيان فوائدها كما في النموذج الغربي، وهو الأمر الذي حفّز بعض المثقّفين كشبلي شميل والدكتور شدودي وسامي أفندي وتوفيق حبيب، لإنشاء حزب الاشتراكيين، لكن مع الأسف لم يظهر إلى الوجود.
ومثلما كان لنشأة الترام أثره في التوسّعات العمرانية، ونشاط حركة التجارة، وارتفاع الهجرة من الأقاليم إلى القاهرة المركزية، وتكوين رأي وطني، أسهم أيضًا في تطور الحركة الثقافية، كان من آثار تسهيل الانتقال إلى العاصمة، ارتفاع عدد الجمعيات الأدبية والثقافيّة والدينيّة.
إلى هنا، يقول محمد سيد كيلاني: "ففي سنة 1898 تألّفت الجمعية الطبية المصرية، والجمعية الزراعية، وجمعية مكارم الأخلاق الإسلامية، وجمعية شمس الإسلام، وفي سنة 1904 تشكّلت جمعية إحياء العلوم العربية، وتأسس نادي طلبة المدارس العليا سنة 1906، وجمعية زهرة الآداب سنة 1909، وجميعة الشبان المسيحيين سنة 1910، ونادي الموظفين سنة 1911، ونادي العمال 1912".
ازداد عدد المدارس الابتدائية والثانوية للبنين والبنات، إضافة إلى المدارس الليلية، وهو ما كان له أثره في زيادة الإقبال على التعليم العالي. وتلا هذه النهضة التعليمية والثقافية ظهور عدد من المجلّات الأدبية والدينية والعلمية، فظهرت مجلّات: "الأجيال"، و"الصاعقة"، و"حمارة منيتي"، وبعد ذلك: "المنار"، و"المرصاد"، و"الزمن"، و"طبيب العائلة".
لقد أتاح وجود الترام لسكّان العاصمة فرصة السهر خارج المنازل إلى ساعة متأخّرة من الليل، وبذلك استطاع الناس الذهاب إلى المسارح وصالات الرقص والسينما (دور الخيالة)، ورغم تأثير هذا هذا التحوّل في الحياة الاجتماعية والنمط العمراني للمدينة، يبقى إنشاء خطوط المواصلات نقطة فاصلة في تاريخ كل عواصم العالم وليس في مصر فحسب، وقفزة حضارية يفرضها عصر النمو التكنولوجي المتسارع، وتمليها حتمية مواكبة التطوّرات الحاصلة اليوم، ومحطّة حضارية كان لا بدّ من المرور عليها.
عصر النهضة والتحديث بنشر خطوط حركة الترام في شوارع القاهرة وأحيائها، يا ترى ما المشروع القادم الذي يجعله تلحق بركب الدول المتقدمة؟












