عرفت دمشق عبر مئات السنين تداخلًا معقّدًا بين الدين والتجارة والسلطة، شكّل فيه العلماء الأشاعرة المرجعية العقدية والأخلاقية، فيما لعب التجار دورًا محوريًا في تثبيت النفوذ الاقتصادي والاجتماعي، وكان الولاة بحاجة إلى الطرفين لضمان الاستقرار. منذ انتقال العقيدة الأشعرية من البصرة إلى الشام وارتباطها بالمذهب الشافعي، برز العلماء بوصفهم ضامنين للشرعية، والتجار كحاضنة مالية للمؤسسات الدينية. هذا الثالوث، الذي تكرّس في العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية، خضع لتحولات عميقة مع الانتداب الفرنسي والبعث وصولًا إلى الحاضر. غير أن المشهد الراهن يكشف فكرة رئيسية تتمثّل في أن تجار دمشق لم يعودوا يفاوضون السلطة من موقع شراكة كما في الماضي، بل من موقع ضعف، حيث تُعيد "هيئة تحرير الشام" إنتاجهم كواجهة اقتصادية دون تمكينهم من نفوذ مستقل.
أشاعرة الشام.. تاريخ مختصر
تروي المصادر أنه في لحظة مراجعة فكرية، وبعد اعتزال داخل منزله في أحد أزقة البصرة، التي كانت تعج بالتجار القادمين من بلاد فارس والهند عبر الخليج، وفي ظهيرة أحد الأيام، خرج أبو الحسن الأشعري (القرن 3–4 هـ / 9–10م) بعد 15 يومًا من الاعتزال، متجهًا نحو جامع البصرة ليعلن من منبره تأسس مذهب جديد يقوم على التوفيق بين العقل والنقل.
يلخص كتاب "الاعتقاد لابن أبي يعلى" لأبي الحسين ابن أبي يعلى الأشعرية بالقول: "أهم آراء الأشاعرة نفي الصفات إلا سبعًا يثبتونها بالعقل والقول بأن أفعال العباد مخلوقة لله"، وهو بذلك يوضح محاولة الأشاعرة إيجاد توازن بين تنزيه الله بشكل كامل، وبين إثبات مسؤولية الإنسان عن أفعاله؛ أي أن العبد، وإن كانت أفعاله مخلوقة لله، يبقى مخيّرًا في اختياره ومسؤولًا عنها.
لم يطل استقرار ظهور الأشعرية في البصرة، إذ سرعان ما انتقلت إلى بغداد عبر تلامذة أبي الحسن الأشعري، ومن أبرزهم القاضي أبو بكر الباقلاني (338–403هـ/950–1013م). ومع مرور الزمن، وجدت الأشعرية طريقها إلى بلاد الشام، حيث وفرت البيئة العلمية التي سادت في دمشق وحلب مجالًا خصبًا لنموها، بفضل حضور الفقهاء الشافعية الذين ارتبطوا تاريخيًا بها.
ثم جاءت المدرسة النورية الكبرى التي أنشأها نور الدين زنكي (511 – 569 / 1118 – 1174) سنة 562هـ/1167م، لتكون من أوائل المؤسسات التعليمية السلطانية في دمشق ضمن مشروعه المعروف بـ"النهضة السنّيّة"، حيث جمعت بين التعليم والعبادة وشكّلت نموذجًا أوليًا للمدارس السلطانية التي ازدهرت لاحقًا في العهدين الأيوبي والمملوكي. ومع قيام الدولة الأيوبية، اكتسبت الأشعرية بعدًا سياسيًا واضحًا حين تبناها صلاح الدين الأيوبي (532 – 589/1138 – 1193) كعقيدة رسمية، فتعزز حضورها عبر المدارس الكبرى وحلقات التعليم، ومع تراكم هذه المراحل اكتمل ترسيخها في العصر المملوكي كمرجعية عقدية كبرى في الشام، وبدعم من الدولة، وإسناد من العلماء، انتشرت بين عامة الناس.
ثالوث: الولاة.. العلماء.. التجار
في القرن الثامن عشر، كان العلماء في دمشق جزءًا من شبكة اقتصادية واجتماعية واسعة نسجها كبار التجار. هؤلاء التجار اعتمدوا على العلماء لتثبيت مكانتهم في السوق عبر الفتاوى والدعم الديني، بينما وجد العلماء في أموال التجار مصدرًا لتمويل المدارس والمساجد والزوايا وتوزيع المساعدات على الفقراء. هكذا نشأت علاقة تبادلية، العلماء يمنحون الشرعية الأخلاقية والدينية للتجارة، والتجار يوفرون الموارد التي تعزز مكانة العلماء ومؤسساتهم.
لم يكن نفوذ العلماء مقتصرًا على المجتمع المحلي/التجاري فحسب، بل ارتبط بشكل مباشر بالسلطة العثمانية. فالولاة كانوا بحاجة إلى دعم العلماء لتمرير سياساتهم وكسب شرعية حكمهم في أعين السكان، خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية أو الاضطرابات الاجتماعية. وفي المقابل، استخدم العلماء موقعهم كوسطاء بين الناس والدولة لتعزيز نفوذهم، وأحيانًا للضغط على الولاة في حال تعارضت سياساتهم مع المصالح الشعبية أو القيم الدينية السائدة.
أما التجار فقد كانوا قوة لا يمكن تجاهلها. تمويلهم لقوافل الحج، وإشرافهم على تموين دمشق والريف المحيط بها، جعلهم شركاء أساسيين للولاة. هذه المكانة منحتهم قدرة على التفاوض بشأن الضرائب والامتيازات، وأدخلتهم أحيانًا في حالة شد وجذب مع السلطة. وفي هذا السياق، لعب العلماء دورًا تكامليًا؛ إذ وفروا للتجار غطاءً دينيًا، وساعدوا في التوسط بينهم وبين الولاة، مما جعل شبكة العلاقات بين الأطراف الثلاثة (العلماء، التجار، السلطات) أساسًا للحياة السياسية والاجتماعية في دمشق العثمانية.
التجار وصراع النفوذ في دمشق العثمانية
شهدت دمشق مطلع القرن التاسع عشر اضطرابًا بعد هروب الوالي – الذي عُرف عنه فساده – كنج يوسف باشا عام 1225 – 1810،ودخول والي صيدا سليمان باشا إلى المدينة بأمر سلطاني. وهو حدث كشف انقسام الطبقة التجارية بين من تحالف مع السلطة بحثًا عن الامتيازات، وبين من عارض الضرائب الباهظة وتشدد الإدارة المالية. لم يعد التجار قوة موحدة، بل جماعات متنافسة تستند أحيانًا إلى العلماء أو الحرفيين لتعزيز موقعها في السوق.
هنا لا بد من الإشارة لمسار آل العظم كمثال على تضارب المصالح، فقد ربطت هذه العائلة حكمها بقدرتها على تأمين قافلة الحج وجمع الضرائب، لكنها كانت أيضًا بحاجة إلى تحالف دائم مع كبار التجار. ومع تحوّل دمشق إلى عقدة اقتصادية إقليمية متصلة بمصر والأناضول والحجاز والموصل، بات التجار وسطاء بين الإنتاج المحلي والأسواق الخارجية، وامتلكوا قدرة تفاوضية جعلتهم شركاء غير رسميين في إدارة المدينة، وأحيانًا أصحاب كلمة نافذة على الوالي.
غير أن أزمات كبرى مثل أزمة الحرير (1859–1860) أظهرت هشاشة هذا التحالف؛ إذ ضرب الركود صناعة النسيج وأضعف مركز التجار، فيما وجدت الدولة نفسها بين ضغوط إسطنبول وحاجات السوق المحلي. هنا لعب التجار دور الوسيط لتعبئة الرأي العام ضد السياسات الضريبية، التي تفجّرت في فتنة دمشق الكبرى 1860. هكذا ظل المشهد العثماني قائمًا على ثالوث مترابط: الولاة بحاجة إلى التجار والعلماء لضمان الاستقرار، والتجار يوظفون سلطة السوق كأداة ضغط، فيما وفر العلماء الغطاء الأخلاقي لتوازنٍ لم يكن يخلو من الأزمات.
التحوّل من العثمانية
لم يكن المجتمع العثماني جامدًا، لكن المناصب العليا ظلّت في يد العائلات العريقة التي جمعت بين المال والوجاهة. في القمة برز الملاك – التجار الذين جمعوا بين الثروة العقارية ورأس المال التجاري، وإلى جانبهم العلماء – الملاك الذين ورثوا عن عائلاتهم، بالإضافة إلى تلقيهم العلوم الشرعية وتولي مواقع المؤسسة الدينية. هكذا تشكّلت الطبقة العليا من تزاوج التجارة والعلم، فيما شغل التجار المتوسطون والصرافون وأصحاب الحرف مراتب أقل شأنًا. هذا التداخل جعل التجارة والشرع رافدين متكاملين لبناء النفوذ الاجتماعي والسياسي في دمشق.
في هذا السياق برز الوجهاء الدمشقيون (الأعيان) بوصفهم حلقة الوصل بين الدولة العثمانية والمجتمع. فالتجار الكبار والعلماء كانوا جزءًا من هذه القيادة التي سعت دائمًا إلى الحفاظ على التوازن بين مطالب السلطة العلية وتطلعات العامة. لم يكن هدفهم إسقاط الحكم، بل ضمان استمرار نفوذهم عبر التوسط والتهدئة، وتقديم الشرعية الأخلاقية والاقتصادية معًا. وهكذا أصبح الوجهاء، وفي مقدمتهم كبار التجار المرتبطون بالعلماء، بمثابة الضامن لاستقرار دمشق العثمانية، ومفتاحًا لفهم صراع النفوذ بين السوق والسلطة.
ومع انهيار العهد العثماني وبدايات القرن العشرين بظهور ملامح الدولة الفيصلية بدأ منصب شاه بندر التجار (الشهبندر) يفقد دوره المؤسسي في إدارة السوق، بعدما كان لقرون عنوانًا لزعامة التجار وممثّلهم أمام الدولة العلية. فالتغيرات الاقتصادية والتحوّلات السياسية التي أفضت أشكال تنظيم حديثة مثل غرف التجارة أزاحت هذا الدور التقليدي، لكنه بقي محافظًا على رمزيته حتى يومنا هذا. وبدلًا من ذلك، دفعت إلى بروز برجوازية صغيرة من طبقة الملاك – التجار، عُرفت أكثر بالإقطاعية وفقًا لتوصيفها الماركسي، الذين جمعوا بين ملكية الأرض ورأس المال التجاري.
من الانتداب إلى التأميم
يشكّل مسلسل "أبو كامل" نموذجًا لدور العلماء والتجار خلال فترة الانتداب الفرنسي على سوريا (1920–1946). يؤدي أسعد فضة شخصية أبو كامل الذي جمع ثروته من تعاونه مع سلطات الانتداب، في مقابل أبو زاهي الذي جسّده محمد طرابيشي، رجل العلم والمعرفة المنتمي إلى الإسلام الدمشقي المعتدل، والذي خسر ثروته بسبب مقاومته للفرنسيين. وتروي أحداث المسلسل أن أبو كامل أقدم على إحراق متجر أبو زاهي، الأمر الذي تسبّب في إفلاسه.
ورغم كونه عملًا دراميًا صوّر في مطلع التسعينيات، لا يقدم كمصدر تاريخي بحد ذاته، بل كخلفية ثقافية تجسَد بطريقة رمزية ثنائية التاجر المتحالف مع السلطة في مواجهة عالم الدين المقاوم، وهي ثنائية عرفت دمشق حضورها بأشكال مختلفة عبر تاريخها. إذ يجسّد المسلسل صراع النفوذ بين العلماء والتجار، مكمّلًا صورة تاريخية عن دمشق حيث شكّل الدين والتجارة أداة للشرعية.
أدت تلك الإجراءات إلى تهميش كبار التجار وإضعاف المؤسسات التقليدية التي مثّلتهم، في حين فقد العلماء تدريجيًا دورهم كوسطاء بين المجتمع والسلطة بفعل سياسات أنظمة الحكم المتعدّدة. ومع انقلاب حافظ الأسد عام 1970 اكتمل هذا التحول؛ إذ انتقلت موازين القوة إلى جهاز الدولة والحزب الحاكم، بينما تراجعت مكانة العلماء والتجار من موقع الشركاء في إدارة المجال العام إلى مجرد فاعلين ثانويين تحت هيمنة الدولة الأمنية والاقتصادية الجديدة.
مع وصول البعث إلى السلطة عام 1963، تعرّضت البرجوازية السورية لضربة قوية عبر سياسات التأميم والإقصاء من مواقع القرار، ما أضعف مكانة العائلات التجارية التي ارتبطت تاريخيًا بالعلماء ومؤسساتهم الدينية. لكن مع انقلاب حافظ الأسد وإطلاق سياسة الانفتاح الاقتصادي، المعروفة بأنها انفتاح جزئي، استعادت شريحة من التجار موقعها في السوق، خاصة التجار التقليديين المرتبطين بالقيم الدينية والاجتماعية، الذين اتجهوا إلى صناعة المنتجات الترفيهية التي اشتهرت بها أسواق الشام.
غطاء أخلاقي وديني
وجد هؤلاء التجار في العلماء غطاءً أخلاقيًا ودينيًا يعزز شرعيتهم في مواجهة صعود "الطبقة الجديدة" المرتبطة مباشرة بالسلطة. وهكذا استمر التحالف التاريخي بين التجار والعلماء، لكن في إطار أضيق وتحت رقابة صارمة من الدولة، حيث اقتصرت وظيفته على تأمين الولاء الاجتماعي والديني للنظام، لا على صناعة القرار السياسي.
في المقابل، ظهرت مع السبعينيات والثمانينيات طبقة تجارية بيروقراطية، وصفها السوريون بـ"الطبقة الجديدة"، تشكّلت من رجال أعمال صاعدين ارتبطوا مباشرة بالمسؤولين الكبار في الجيش والأجهزة الأمنية. هؤلاء راكموا ثرواتهم عبر عقود الوساطة والامتيازات، ليحلوا تدريجيًا محل التجار التقليديين الذين كانوا يستمدون قوتهم من العلماء. ومع هذا التحول، تراجعت وظيفة العلماء من كونهم وسطاء شرعيين بين التجار والدولة إلى مجرد عنصر تكميلي في شبكة الولاءات.
لقد احتفظ نظام الأسد الأب بعلاقته الرمزية مع العلماء للحفاظ على الشرعية الدينية، لكنه اعتمد عمليًا على التجار المحدثين المرتبطين بعائلات الحكم، في شراكة تقوم على تقاسم الأرباح لا على الضوابط الأخلاقية. وهكذا، أعاد نظام حافظ الأسد تشكّيل "ثالوث" جديد يختلف عن النموذج العثماني، بحيث أصبح العلماء على الهامش، بينما احتكر الولاة الجدد (النظام البعثي) والتجار البيروقراطيون مفاتيح النفوذ الاقتصادي والسياسي.
هندسة "البرجوازية الجديدة" في عهد بشار
منذ عام 2000 أعاد بشار الأسد تشكيل العلاقة مع عالم الأعمال بنمط نُزعت فيه الامتيازات تدريجيًا من القاعدة الحزبية القديمة لصالح شبكة مختارة من كبار المسؤولين وحلقة رجال الأعمال، عبر شراكات وزواجٍ سياسي وتمكينٍ قانوني. تشكّلت بذلك برجوازية دولة متعدّدة الطوائف، غالبيتها سنّية مع نواة عائلية علوية، كما تشير ورقة بحثية، مُنحت دخولًا مميزًا إلى التجارة الخارجية، مصارف الظل، والقطاعات الريعية.
رُوّض الأسد الابن القطاع الخاص مرة بالترغيب وأخرى بالترهيب، حيثُ أُنتج الولاء عبر تمويل المليشيات والإعلام والخدمات اللوجستية زمن الحرب، ومع العقوبات ظهر "تجار الأزمة" الذين سدوا احتياجات الدولة من قمح ووقود ونقد أجنبي وما إلى ذلك، مقابل عقود احتكارية ضخمة. كما رسّخ الأسد الابن شبكة المصالح بآليات المكافأة/العقاب: منح الموالين مواقع سياسية واقتصادية وممرات حصرية إلى أهم الأسواق والمشروعات.
وفي المقابل، فعّل قانون 19/2012 لمكافحة الإرهاب لحجز الأموال ومصادرة أملاك رجال أعمالٍ محايدين أو معارضين، ما أفسح المجال أمام صعود أسماء بديلة تستحوذ على أصولهم. هكذا غدت الطبقة التجارية الموالية، بصرف النظر عن الخلفية المذهبية، ركيزة صمود النظام اقتصاديًا وإعلاميًا، بينما انحصر دور العلماء في وظيفة رمزية مؤسسية لتغطية السردية الأخلاقية، من دون استقلالية القرار الذي بات يُصاغ داخل ثنائية الدولة الأمنية والبرجوازية الجديدة.
تجار دمشق إلى الواجهة من جديد
بعد أن أطاح تحالف تقوده "هيئة تحرير الشام" بنظام الأسد، وهي تيار سلفي أعلن فك ارتباطه بتنظيم القاعدة عام 2016، وجد التجار أنفسهم أمام نزاع متجدد ومعقّد حول ملكية المحال في أسواق المدينة القديمة. فالقرار الإداري الأخير أعاد إلى الواجهة أزمة "الفروغ" والتمديد الحكمي، ذلك النظام الذي تأسس منذ خمسينيات القرن الماضي كآلية لتنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، وخضع عبر عقود لعدة تعديلات قانونية وإدارية متتالية، ما جعله ملفًا شائكًا تتقاطع فيه مصالح الملاك والتجار والسلطة الجديدة.
لم يكن الفروغ مجرّد معاملة تجارية، بل صيغة اجتماعية اقتصادية سمحت بتثبيت شراكة ضمنية بين التاجر والمدينة، وحافظت لعقود على طبقة تجارية متوسطة شكّلت عماد الحياة الاقتصادية في قلب دمشق. غير أن إعادة النظر فيه اليوم تهدد بتمزيق هذا التوازن التاريخي، وتفتح الباب أمام صراع نفوذ جديد بين التجار والدولة في واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد الاقتصادي السوري.
وفي المقابل، تُظهر لقاءات وزير العدل مع ممثلي تجار دمشق أن الحكومة الجديدة تحاول امتصاص غضب الشارع التجاري بعد سلسلة اعتصامات في قلب العاصمة. فالتجار، الذين كانوا لعقود شريكًا ضمنيًا في استقرار السوق عبر نظام "الفروغ" والتمديد الحكمي، يجدون أنفسهم اليوم أمام احتمال فقدان عقودهم التاريخية لصالح قرارات إدارية قد تُعيد توزيع النفوذ الاقتصادي. هذه التحركات تكشف عن بداية تشكّل قوة ضغط منظمة للتجار، تعتمد على الاعتصام والحوار الرسمي في آن معًا، ما قد يفتح الباب أمام علاقة جديدة بين الدولة والقطاع التجاري تتجاوز الصيغة التقليدية التي سادت منذ خمسينيات القرن الماضي.
وهنا لا بد من الإشارة إلى تقرير وكالة "رويترز"، وعلى الرغم من عدم التأكد من صحة المعلومات الواردة فيه، فإنه يُفيد ببروز تحالف اقتصادي جديد تقوده الهيئة. إذ يعكس التقرير امتدادًا لمسار تاريخي عرفته دمشق، حيث سعت القوى الصاعدة دائمًا للارتكاز على التجار وشبكاتهم لبناء شرعية ونفوذ، بما يوحي بأن الهيئة تحاول إعادة إنتاج دور التجار – الوسطاء كفاعل اقتصادي موازٍ يضمن لها الاستمرار والسيطرة.
عود على بدء..
على امتداد القرون، ظلّ تجار دمشق يفاوضون السلطة من موقع قوة نسبية، محصنين بشرعية العلماء وشبكات الأصناف/الطوائف الحرفية، كما نستخلص من ورقة بحثية للمؤرخ عبد الكريم رافق تتحدث عن دمشق في القرن الـ18. غير أن السياق الراهن يكشف تحوّلًا جذريًا: فاليوم لا يفاوض التجار الهيئة من موقع الشريك، بل من موقع الضعف، حيث تسعى الهيئة إلى توظيفهم كواجهة اقتصادية ترفد سلطتها، من دون منحهم نفوذًا مستقلًا كما في العهود السابقة، وفقًا لتجربة حكمها في إدلب سابقًا.
يُضاف إلى ذلك أن الفارق العقدي بين الإسلام الأشعري الدمشقي وبين السلفية الجهادية التي تتبناها الهيئة يقطع مع "الثالوث" التاريخي. إذ إن الأشعرية، بدعمها للفقه الشافعي والصوفية، وفّرت غطاءً عقديًا أخلاقيًا للتجار والولاة، بينما ترفض الهيئة هذه المرجعية وتستبدلها بشرعية الأمير/الشيخ، مقرونة باقتصاد حرب قائم على الجباية والمصادرات.
برز هذا العام للمرة الأولى غياب الاحتفالات التقليدية بالمولد النبوي في أسواق دمشق القديمة، وفقًا لتقارير صحفية تم منع الاحتفال بالمولد النبوي، وسط تضارب الروايات التي اتفقت على أنها شفهية. درجت العادة أن تتزيّن الأزقة بالأعلام واللافتات الدينية قبل يومي 12 و13 ربيع الأول، ترافقها الأناشيد والموالد وجلسات الصوفية التي لطالما انطلقت من مساجد دمشق القديمة إلى قلب السوق. هذا الانحسار المفاجئ لمظاهر المولد النبوي لا يمثل مجرد تبدل في طقس اجتماعي، بل يدل على تراجع دور العلماء والتيارات الصوفية التي كانت تاريخيًا ضامنة للشرعية العقدية في الفضاء العام.
الأثر الاجتماعي لهذه التحولات لا يقل أهمية. إذ إن التجار الصغار وأصحاب الحرف، الذين طالما شكّلوا العمود الفقري لأسواق دمشق، وجدوا أنفسهم اليوم مهدّدين بسياسات جديدة حول "الفروغ" والتمديد الحكمي، ما فجّر احتجاجات واسعة واعتصامات أمام وزارة العدل. وقد ذكرت تقارير صحفية أن أكثر من 100 ألف عقد إيجار قديم قيد النزاع، نصفها تقريبًا في دمشق، بما يعني أن آلاف العائلات الحرفية معرضة لفقدان مصدر رزقها.
وقد ظهر البعد الاقتصادي الاجتماعي من خلال اعتصام التجار أمام مبنى وزارة العدل في دمشق. يحذّر أحدهم بشكل مباشر: "إذا هجّت التجار.. سقطت البلد"، فيما ذكّر آخر بالعلاقة التاريخية بين دمشق وطبقتها التجارية. هذه الاعتصامات جاءت في سياق النزاع حول عقود "الفروغ" والتمديد الحكمي، إذ تحدث تاجر ثالث عن دفعه مبالغ الفروغ أكثر من مرة للمالك الأصلي نفسه، ما يجعل القضية شائكة ومثقلة بالتوترات بين التجار من جهة، والملاك الأصليين والسلطة الجديدة من جهة أخرى.
يجسّد هذا الواقع وجهين متوازيين لتحوّل ميزان القوى في دمشق؛ من جهة، تراجع العلماء الذين طالما مثّلوا الغطاء العقدي والرمزي للاحتفالات الدينية الشعبية، ومن جهة أخرى، انكشاف التجار في مواجهة السلطة الجديدة والملاك ضمن نزاع معقّد حول الحقوق الاقتصادية. هذه الثنائية تؤكد أن التوازن التاريخي بين العلماء والتجار وبين الولاة و/أو السلطة لم يعد قائمًا، بل يُعاد تشكيله على نحو يهمش المرجعيات التقليدية لصالح هياكل سلطة أكثر صرامة.
ومع أن التاريخ الدمشقي عُرف بتوازن مرن بين الولاة/السلطة – العلماء والتجار، فإن التجربة المعاصرة تشير إلى إعادة هندسة الطبقة التجارية بما يخدم السلطة. فقد أظهرت تقارير حول مشاريع الإعمار مثل "ماروتا سيتي" أنه حتى الملاك الأصليين للعقار المنزلي همشتهم الدولة لصالح "برجوازية صاعدة"، مرتبطة مباشرة بالسلطة الحاكمة.
الخلاصة
يظهر الواقع اليوم أن الثالوث الدمشقي التاريخي (العلماء، والتجار، والولاة) لم يعد قائمًا على صورته التقليدية. فالعلماء الذين مثّلوا لقرون الضابط العقدي والأخلاقي للسوق والمدينة تراجع حضورهم إلى الهامش، فيما يجد التجار أنفسهم في مواجهة سلطة جديدة تستعملهم كواجهة اقتصادية لا كشريك متساوٍ. أما الولاة/السلطة فقد احتكروا القرار السياسي والاقتصادي، وأعادوا تشكيل الطبقة التجارية بما يخدم استقرارهم، على حساب التوازن التاريخي.
وهكذا، فإن الفكرة الرئيسية التي تتأكد من خلال تتبع المسار الدمشقي هي أن التجار اليوم يفاوضون من موقع ضعف لا من موقع شراكة، بعدما فكّ ارتباطهم بالغطاء الأشعري التاريخي وبشبكات الأصناف الحرفية، ليُعاد إنتاجهم كأداة ولاء وضبط اجتماعي في خدمة السلطة الجديدة، بمنحها العلماء والتجار أدوارًا هامشية، يُستدعون أحيانًا كوسيلة للشرعنة والرقابة الاجتماعية، من دون تمكينهم من موقع الشراكة الفعلي الذي عرفوه عبر مئات السنين.