منذ بداية الحرب الأوكرانية قبل ثلاث سنوات، ظلّت الطائرات المسيّرة السلاح الحاضر على الدوام في جميع المعارك، إذ استطاعت كييف بواسطتها أن تقلق "الدب الروسي" حتى داخل حدوده، حيث تسبب هجوم أوكراني بالطائرات المسيرة في 11 شباط/فبراير الماضي في مقتل شخصٍ على الأقل رغم التصدي الروسي لهذا الهجوم.
هذه الحادثة، وغيرها من مئات الحوادث المشابهة، جعلت خبراء عسكريين يطرحون تساؤلًا يتردّد اليوم بقوة يتعلّق حول مدى قدرة الطائرات بدون طيار على قلب موازين القوى العسكرية في العالم.
مع التطوّر المتسارع الذي يشهده قطاع التكنولوجيا والاتصالات، وبالخصوص مع ظهور الذكاء الاصطناعي، عمدت مصانع الأسلحة في العالم على الاستفادة من هذا التطوّر، بإدخال تقنياته المتقدّمة في صناعة الأسلحة، لتشكّل الطائرات المسيّرة أحد أهم جوانب تزاوج تكنولوجيا الاتصالات بالميدان الدفاعي والعسكري.
نتاج سنوات
جاء مصطلح الطائرات المسيّرة أو الطائرات بدون طيار ترجمة لمصطلح "drones" بالفرنسية والإنجليزية، والذي يعني ببساطة الطائرات الموجّهة عن بعد، وتُعرّفها منظمة الطيران المدني الدولي بأنها طائرات ذات تحكم عن بعد، لا تحمل مُشغلًا بشريًا، وإنما يُتَحكّم فيها عن بعد من خلال طيار.
وإن أصبحت الطائرات المسيّرة اليوم، أكثر استخدامًا في كلّ المجالات، وبالخصوص العسكرية، إلا أنها شكّلت منذ سنوات هدفًا للعاملين في مجال التسليح والدفاع، حيث يعتقد بعض الخبراء أن أوّل استخدام للمسيّرات في الحروب تعود إلى 1849، عندما أطلق الجيش النمساوي أسطولًا من المناطيد المُسيّرة مُحملة بالمتفجرات فوق مدينة فينيسيا لمعاقبة مواطنيها على تمرّدهم.
ورغم أن ذلك الاستخدام لم يستعن بما نعرفه اليوم من "تكنولوجيا " الطائرات المُسيرة، إلا أنه أشار إلى توجّه صوب نشر مركبات جوية غير مأهولة للقيام بأعمالٍ لا يستطيع البشر القيام بها، أو لا يريدون القيام بها تقليلًا للتكاليف والمخاطر.
تختلف الروايات حول أول استخدام للطائرات المسيرة، حيث تقول دائرة المعارف البريطانية، إن الطائرات المُسيرة الأقدم، والتي عُرفت بالمركبات الموجهة عن بعد "آر بي في"، هي طائرات صغيرة يتم التحكم فيها عن طريق الراديو، استخدمت لأوّل مرة خلال الحرب العالمية الثانية كأهداف تدريبية للمدافع المضادة للطائرات.
أما موقع متحف الحرب الإمبراطوري البريطاني، فيقول إنه تم تطوير أولى المُسيرات في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية خلال الحرب العالمية الأولى، فقد تم اختبار الهدف الجوي البريطاني، وهو طائرة صغيرة يتمّ التحكم فيها عن بعد، لأوّل مرة في مارس/آذار من عام 1917، بينما طار الطوربيد الجوي الأميركي المعروف باسم "كيترينغ باغ" لأول مرة في تشرين الأول/أكتوبر من عام 1918.
من جهتهم يرى مختصون، أن أوّل استعمال لمصطلح "درون" بدأ في 1935، عندما صنع البريطانيون طائرات يتم التحكّم فيها عن بعد لاستخدامها كأهداف لأغراض التدريب، والحال نفسه في الولايات المتحدة التي بدأت تظهر كقوة عالمية عسكرية بتصنيعها أيضًا طائرات بدون طيار يتم التحكم فيها عن بعد.
ومع التطويرات المتواصلة للمسيّرات، وبالخصوص من جانب الأميركيين، تم التوصل لاستعمالها لأوّل مرة في الحرب الفيتنامية بتوظيفها كشراك خداعية في القتال، وإطلاق الصواريخ على أهداف ثابتة، وإسقاط منشورات للعمليات النفسية والتصوير الفوتوغرافي والاستطلاع، وذلك من خلال الدرون "فايربي" التي بدأ تصنيعها في 1951، والتي استعملت كذلك في التجسّس على كوريا الشمالية والصين.
وشكلت "فايربي" نسخة متقدمة من المسيّرات رغم أن حجمها كان حوالي ثلث حجم المقاتلة النفاثة، لكن المهام التي قامت بها، كالتقاط صور واضحة بشكل لافت للنظر وجمع معلومات حول صواريخ أرض-جو السوفيتية الصنع، جعلها تشكل حينها تقدمًا عسكريًا مهمًا حينها.
وعقب الحرب الفيتنامية، التحقت أطراف أخرى خارج بريطانيا والولايات المتحدة باكتشاف الطائرات المسيّرة واستعماله عسكريًا، وبالخصوص بعد التطوّرات التي بدأ يشهدها قطاع تكنولوجيا الإعلام والاتصال وتوسّع نطاق استعمال الإنترنت والاتصال عن بعد، فقد أصبحت مختلف الحروب التي جرت بعد ذلك مسرحًا لمشاهدة نوع جديد من المسيرات، فقد استعمل الاحتلال الصهيوني مسيّرة "تاديران ماستيف" ضد لبنان في 1982، واستعملتها واشنطن في حرب الخليج، وفي احتلالها لأفغانستان وبداية الألفية، لتُصبح بذلك المسيّرات سلاحًا لا بد منه في الترسانة العسكرية لأي بلد.
أهمية عسكرية
لا يأتي الاهتمام العسكري المتزايد بالطائرات المسيّرة من فراغ، بل إنّ المميزات التي تتوفر عليها هذه الآلات الصغيرة وفعاليتها تستدعي هذا الإعجاب المتزايد من قبل المنظومات الدفاعية لمختلف الدول، سواءً المتقدمة أو التي تقتني أسلحتها من دول أخرى.
ولعلّ من أهم هذه المزايا أن التصدي للطائرات دون طيار يبقى صعبًا، بالنظر إلى تعذر كشفها أو رؤيتها بواسطة العين المجردة، وكذا من بعض أجهزة الرصد، كون رادارات الدفاع الجوي مصممة أساسا للطائرات الكبيرة.
وما يصعب التصدّي للمسيّرات الحربية هي التكلفة الباهظة لأنظمة التصدي لهذه الأخيرة، فمنظومة "باتريوت" الأميركية الشهيرة، وهي نظام صاروخي اعتراضي متحرّك أرض- جو تبلغ تكلفة الصاروخ الواحد منها مليون دولار، فيما لا تتعدّى قيمة بعض المسيّرات نحو 500 دولار، وهو ما يجعلها سلاحًا هجوميًا فعالا بتكاليف بخسة.
وتبرز أهيمتها أيضا بالنسبة للكيانات الاستعمارية في تنفيذ عمليات الاغتيال وتحديد الهدف، عبر الاستطلاع والتجسس الفني، ويظهر هذا بشكل جلي في عمليات الاغتيال التي نفذها الاحتلال الصهيوني ضد قيادات في "حزب الله" اللبناني.
وتوفر الطائرات المسيّرة المراقبة اللحظية لأرض المعركة بإعطائها صورًا فردية تساهم في اتخاذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة. ولعلّ من أهم الميزات التي تجعل هذه المسيرات الخيار الأفضل للجيوش الحديثة هو عدم تطلبها لمطارات مجهزة بالمدرجات، أو حاملات سفن عملاقة لإطلاقها وهبوطها، إضافة إلى أنه يمكن استخدامها في تكتيكات واسعة لتضليل الرادارات والتشويش على المقاتلات التقليدية.
استعمال ميداني
كشفت الحرب الروسية الأوكرانية أن الطائرات المسيّرة، تعد لاعبًا أساسيًا في الهجمات المتبادلة بين كييف وموسكو؛ فالتقارير اليومية لوزارتي الدفاع في البلدين تتحدّث على مدار ساعات اليوم عن غارات متتالية بطائرات مسيّرة من الجانبين على مناطق مختلفة، وبالخصوص التي تشهد صراعًا محتدمًا.
وتُترجِم هذه الأهميّة سعي الطرفين لتصنيع مزيد من المسيّرات، فالرئيس الأوكراني أعلن في شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي أن كييف قادرة على صناعة أربعة ملايين مسيّرة حربية.
وتقول تقارير غربية، إن كييف قد ترفع هذا الإنتاج إلى 4.5 ملايين طائرة بدون طيار خلال العام الحالي، فيما تستهدف روسيا تصنيع بين ثلاثة إلى أربعة ملايين مسّيرة في 2025.
لكن هذا الإنتاج المحلي لكلا البلدين يظلّ غير كافٍ بالنظر إلى أن التقدم المسجل من الجانبين في هذا الميدان ما يزال متأخرًا عما هو موجود عالميًا، لذلك اضطرت أوكرانيا للاستنجاد بالطائرات المسيّرة التركية بيرقدار، والتي استثمرت في هذا الطلب المتواصل بإقامة مصنع لها في أوكرانيا، قد يدخل مرحلة الإنتاج هذا العام.
وفي شهر شباط/فبراير المنقضي، أعلنت شركة "هيلسينغ" الألمانية لتكنولوجيا الدفاع عن إنتاج 6000 طائرة هجومية بدون طيار من طراز " HX-2" لأوكرانيا، استمرارًا لطلب سابق لـ 4000 طائرة بدون طيار من طراز "HF-1" يجري تسليمها حاليًا بالتعاون مع الصناعة الأوكرانية.
وتمثل المسيّرات التركية والألمانية إلا جزءًا من عديد المسيرات التي طلبها إدارة الرئيس زيلينسكي من عدة دول غربية في إطار الدعم العسكري الذي حتى اليوم باستمراره. وفي المقابل، لم يكن حال الروس أحسن من غيره، إذ إن الصناعة العسكرية مرّت بأصعب امتحان في هذه الحرب التي أظهرت قصورًا تكنولوجيا حسب مختصّين في مجال الطائرات دون طيار، لذلك استعانت بمسيّرات "شاهد" الإيرانية.
وجاء في تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، نُشر في أيار/مايو 2024، أن روسيا تخطط لإنتاج 6000 طائرة بدون طيار من طراز "شاهد 136" الإيرانية سنويًا منتجة محليًا.
ويستخدم الجيش الروسي مسيرات شاهد الإيرانية منذ خريف 2022، بعد أن أظهرت المواجهة الميدانية أنّ التفوق الروسي في مختلف الأسلحة الثقيلة ليس كافٍ لمواجهة الدعم الغربي لكييف بالطائرات دون طيار، لذلك كان التوجه للمسيّرات الإيرانية أحد أفضل الحلول، بالنظر إلى تكلفتها الزهيدة التي لا تتجاوز 20 ألف دولار، وتعتمد في تركيبها على تقنيات وقطع غير إيرانية وصينية فقط، مما يجعل تأمينها سهلًا ولا يخضع للعقوبات الغربية.
وتقول تقارير الخارجية الأميركية إن روسيا بدأت في تسلم طائرات إيران المُسيَّرة من طراز "مهاجر 6″ و"شاهد 129″ و"شاهد 191" منذ شهر أغسطس/آب 2022. لم تكتف موسكو بالمنتج الإيراني فقط، إنما استعانت بالصين التي أصبحت من المسيطرين على هذا المجال عالميًا، فقد ذكرت صحيفة "دير شبيغل" الألمانية في شباط/ فبراير 2023، أن روسيا طلبت من الصين بيعها طائرات مُسيّرة يمكن أن تستخدم في الحرب الجارية بأوكرانيا.
وقالت الصحيفة إن مفاوضات بهذا الصدد، بدأت بين مسؤولين عسكريين روس وشركة تصنيع مسيّرات صينية. ونقلت الصحيفة عن الشركة قولها إنها جاهزة لإنتاج 100 طائرة بدون طيار من نوع "زد تي-180" واختبارها وتسليمها بحلول شهر نيسان/أبريل المقبل لوزارة الدفاع الروسية.
ووجدت موسكو نفسها مضطرة لاستيراد الطائرات المسيّرة لمواجهة أنظمة المدفعية الدقيقة بعيدة المدى التي تلقَّتها أوكرانيا من شركائها الغربيين، منذ بداية الحرب، خاصة أنظمة "HIMARS" التي يبلغ مداها 49 ميلًا، وكانت استعملت لتدمير العشرات من مستودعات الذخيرة ومواقع الدفاع الجوي ومراكز القيادة الروسية، وكذا مدافع الهاوتزر (M777) القادرة على إطلاق رشقات دقيقة التوجيه، وغيرها من الأسلحة الغربية الدقيقة التي تستدعي عملية إضعاف فعاليتها تدميرها كليًا، والطائرات المسيرة هي أحسن سلاح يصلح لهذه المهمة.
وبالرغم من صعوبة تقييم أداء كل طرف في استعمال الطائرات المسيرة في الحرب الروسية الأوكرانية، جرّاء الحجم الكبير للدعاية المستعملة من كلا الطرفين، وصعوبة الرصد الموضوعي للميدان من قبل جهة مستقلة، إلا أن مقال لمجلة "فوربس" الأميركية صادر في الـ 12 آذار/مارس الماضي نقل جانب من حرب المسيرات الجارية في الشرق الأوربية، وعدد الضحايا الذي خلفتهم.
وجاء في المقال أن الطائرات بدون طيار المتفجّرة التي لا يتجاوز وزنها بضعة أرطال، وتُشغّل على مسافة ستة أميال بواسطة مُشغِّلين عن بعد، يرتدون نظارات تعرض البث من كاميرات الطائرات بدون طيار، تقف وراء أكثر من ثلثي الضحايا الذين سقطوا على خط المواجهة الأوكراني الروسي الذي يبلغ طوله 800 ميل، وذلك منذ انطلاق هذه الحرب قبل 38 شهرًا من الآن.
وقال كاتب المقال الصحفي ديفيد أكس، إن هذا يعني أن المسيّرات الصغيرة القابلة للمناورة التي لا يتجاوز سعر كل منها بضع مئات من الدولارات "قتلت أو شوّهت مئات الآلاف من الروس والأوكرانيين، ودمّرت آلاف المركبات"، بالنظر إلى أن الطرفين يُركزان في هجوماتها على القطاعات التي يعتقدان أن التأثير سيكون أكبر عليها.
وبالنظر إلى حجم الاستعمال المكثف للمسيرات في هذه الحرب، فقد كان التوجه إلى المسيرات زهيدة التكلفة هو الحلّ، حيث يتطابق ما جاء في مقال "فوربس" مع ما رصده الخبير في مجال الطائرات المُسيّرة وقواعد البيانات فاين غرينوود، في مقال له في مجلة "Foreign Policy"، نشر بتاريخ 16 فبراير/شباط 2023، والذي أشار إلى أن عملية مسح لعام كامل من التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، أظهرت أن الحرب الأوكرانية هي الأولى في التاريخ التي تستعمل فيها الطائرات المُسيرة الصغيرة والمتوسطة رخيصة الثمن، والتي يمكن شراؤها من متاجر الإلكترونيات على نطاق واسع وبشكلٍ مذهل.
وقال فاين غرينوود إن عملية رصد لقنوات ومجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي، سمحت بتوثيق 900 مثال على الإنترنت تشرح للروس والأوكرانيين كيفية استخدام الطائرات المُسيّرة الصغيرة، مضيفًا أنه توصل إلى أن المُسيّرة الصينية من نوع "DJI " التي يمكن اقتناؤها بسهولة باعتبارها موجّهة للاستعمال المدني، كانت الأكثر استخدامًا في الحرب من كلا الجانبين الروسي والأوكراني ولا يزالان حتى اليوم في حاجة إلى مزيد من المُسيّرات التي لا يمكن الوصول إليها إلا في الصين.
ومما لا شكّ فيه أن الحرب الأوكرانية هي أحسن مثال للدور الذي أصبحت تلعبه المسيّرات في العمليات العسكرية الحديثة، إلا أنها ليست الوحيدة؛ فالحرب في غزة أظهرت هذا الواقع أيضًا، والمواجهة في لبنان بين الاحتلال الإسرائيلي و"حزب الله" لعبت فيها المسيرات أيضًا دورًا كبيرًا، إضافةً إلى أن تجربة أوكرانيا جعلت مرتزقة "فاغنر" الروسية يحاولون نقل هذه التجربة إلى مالي من خلال تحالفهم العسكري، الذي يستهدف الحركات الأزوادية والمدنيين المعارضين للمجلس العسكري الحاكم.
لاعبون جدد
تُظهر التقارير الدفاعية المختلفة، أنه بالرغم من أن أكثر من 40 دولة تستخدم هذه الطائرات بدون طيار أو تعمل على تطويرها، إلا أن الميدان شهد دخول لاعبين جدد سوق السلاح العالمي؛ فالأمر لم يعد اليوم محصورًا في قطبي الشرق والغرب روسيا والولايات المتحدة، بل عرف ظهور مُصنّعين جدد أصبحوا فاعلين في مجال الصناعات الحربية الحديثة.
وتقول بعض التقارير إن أفضل وأقوى الطائرات المسيرة الحربية هي "MQ-9 Reaper" الأميركية و"وينغ لونغ آي دي" الصينية، و"الصياد" الروسية، و"سكاي غاردين" البريطانية، غير أن هذا التصنيف والحكم على باقي المسيّرات يظلّ نسبيًا بالنظر إلى السرية التي تنتهجها الدول لما يتعلق الأمر بالجوانب الدفاعية، حيث تذهب مقاربات لخبراء بأن استعانة روسيا بمسيّرات إيرانية وصينية في حربها بأوكرانيا لا يعود إلى عدم توفّرها على طائرات دون طيارات فعالة، إنما لتجنبها استعمال تقنياتها المتطوّرة في هذه الحرب، كون هذا الاستعمال سيسمح بكشف مدى تطورها في هذا المجال من طرف الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة.
ومع التطور الذي يشهده العالم في مجال الذكاء الاصطناعي، أصبح التقدّم على مستوى الإنتاج والانتشار يتباين من فترة إلى أخرى بين الدول، لكن الجميع يتّفقون على بداية تشكّل أقطاب صناعية عالمية في مجال المسيّرات، تتقدمهم الصين التي حافظت على ميزات صناعتها في مختلف المجالات، والمتمثل في توفير مسيّرات بمستويات مختلفة من التقدّم في التكنولوجيا وبأسعار مختلفة أيضا، تبدأ من مئات الدولارات وتنتهي عند الملايين للمسيّرة الواحدة.
وإلى جانب الصين، ظهرت تركيا في السنوات الأخيرة كلاعب أساسي في هذا المجال، فحسب تقرير لوكالة الأناضول جاءت أنقرة في المركز الـ11 عالميًا بين الدول المصدرة للصناعات الدفاعية عام 2024، بعد أن بلغت قيمة صادراتها في هذا المجال 7 مليارات و154 مليون دولار.
وجاء في التقرير ذاته أن تركيا صدرت في 2024 نحو 300 منتج دفاعي إلى أكثر من 180 دولة، حيث تأتي الدول الأوروبية في مقدّمة مستهلكي الصناعة الحربية التركية. ومن بين أهم المنتجات الحربية التي صدرتها أنقرة الطائرات المسيّرة. فقد ورّدت 770 مسيرة (استطلاعية وهجومية) إلى أكثر من 50 دولة، و 1500 مسيرة كاميكازي (انتحارية) إلى 11 دولة.
والعام الماضي، حققت شركة "بايكار" التركية لإنتاج الطائرات المسيرة، عائدات بقيمة 1.8 مليار دولار، لتتصدّر بذلك سوق تصدير المسيرات حول العالم، وتتفوّق على الولايات المتحدة والصين والكيان الصهيوني في تصدير الطائرات المسيّرة المسلحة.
وبدورها، استطاعت إيران رغم العقوبات الغربية المفروضة عليها، أن تضع نفسها ضمن قائمة المصنعين لهذه الطائرات حتى وإن كان إنتاجها لم يصل إلى المستوى التركي، إلا أن تطوير صناعتها في هذا المجال أصبحت لافتة.
ولا تتوفّر أرقام كثيرة حول القدرة الإنتاجية لإيران من المسيرات، إلا أن تقريرًا لصحيفة نيويورك تايمز صدر العام الماضي، أشار إلى إن طهران تمتلك مخزونًا ضخمًا من الطائرات المسيرة، بعضها يصل مداها إلى 2500 كيلومتر ويمكنها التحليق على ارتفاع منخفض لتجنب الرادار. ويُترجم الحضور الإيراني في سوق المسيرات الحربية، ببيعها منتوجها إلى عدة دول في آسيا وأفريقيا كروسيا وإثيوبيا والسودان والحوثيين وطاجيكستان.
لكن رغم الأهمية والفعالية التي أظهرتها الطائرات المسيرة في مختلف الحروب، إلا أن التجربة بيّنت أنها تظلّ إلى اليوم مجرد عامل مساعد وإضافي وفاعل في المواجهات العسكرية الحديثة فقط، ولم تصبح بعد سلاحًا حاسمًا في المعارك، ولعل الحرب الأوكرانية أكبر دليل على ذلك، فالتفوّق العسكري الروسي في مجال الأسلحة الثقيلة جعلها تحافظ على وجودها في المناطق التي بدأتها منذ تدخلها العسكري في كييف، رغم الدعم العسكري الكبير الذي حصلت عليه الأخيرة من الغرب.
ولعل ما وقع على الحدود الجنوبية للجزائر في ليلة الفاتح من نيسان/أبريل من العام الحالي يطرح عدة أسئلة حول استخداماتها وفعاليتها وقدرتها على إحداث توازنات عسكرية، فقد أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية يومها إسقاطها مسيرة اخترقت مجالها الجوي، تبين في ما بعد أنها تابعة للجيش المالي ومن طراز "أكينجي" التي تصنّعها شركة "بايكار" التركية ذائعة الصيت، وهي مسيّرة أصبحت موجودة ضمن ترسانة سلاح عدة دول أفريقية مثل مالي وبوركينافاسو والمغرب وغيرها.