الحديث عن الشاعر العراقي الكبير الراحل سعدي يوسف هو حديث عن تجربة أوسع من أن تكون منحصرة في كونها شعرية فحسب، بل إنها تجربة ثقافية وإنسانية راسخة وممتدة في أعماق الثقافة العربية وجانحة إلى أبعد نقطة في العالم، تجربة تشبعت بماء دجلة والفرات ونخيل العراق وطمي القرى ومعابد آشور، وحدائق بابل المعلقة، ونقوش السومريين، تجربة طافت في أسواق بغداد، وجلست في حلقات الكوفة والبصرة، وشاهدت اختلاف النحاة، كما شاهدت مرور الطغاة، استمعت إلى الكلاميين، وأخذت عن الأشاعرة والمعتزلة، تجربة أفادت من أبي تمام وأبي نواس والبحتري، كما نهلت من أبي العلاء والجاحظ وابن قتيبة، وأيضًا تأثرت بمرور جيش المغول بقيادة هولاكو، حين أغرق النهر بالكتب، فقررت أن تكون تجربة شعرية على قدر كل هذا التاريخ.
اللافت في تجربة سعدي يوسف، أننا بمجرد الانغماس في قراءة أعماله الشعرية، نجد أنه شاعر عربي فحل، وشاعر حداثي فذ، على حد سواء، وهذه المعادلة الصعبة، حققها سعدي يوسف بمهارة منقطعة النظير، وتميّز في كلا طرفيْها. تقرأ قصائده فتشعر أنه شاعر عربي قديم يرتدي قميصًا مُشَجَّرًا ويتجوّل في شوارع أوروبا، وهذا ما جعله واحدًا من أعمدة الحداثة الشعرية العربية، صاحب تجربة ألقت بظلالها على أجيال لاحقة، وامتد تأثيرها في تجارب شعرية، أصبحت، فيما بعد، تجارب كبيرة ومكرّسة في بلدانها.
سعدي يوسف ابن قرية حمدان مِن قضاء أبي الخصيب بالبصرة، ولد في العراق سنة 1934، وتوفي بلندن في 13/6/2021. تخرّج في دار المعلمين العالية في بغداد سنة 1954، وعمل بالتدريس، ثم عمل مستشارًا إعلاميًا، ومستشارًا ثقافيًا، كما تولّى رئاسة تحرير مجلة المدى الدمشقية، له أكثر من 43 مجموعة شعرية، وأكثر من 10 ترجمات لتجارب شعرية عالمية، و14 عملًا مترجمًا بين الرواية والدراسات والمقالات، و9 أعمال مترجمة بين المسرح واليوميات والقصص والمقالات. كما أن شعره تُرجم إلى أكثر من لغة، منها: الإنجليزية، والإيطالية، والفرنسية، والألمانية، كما أنه حصل على عدد من الجوائز الأدبية المرموقة.
رجل التفاصيل واليوميَّات:
قالَ الشـيوعيُّ الأخيرُ
وكان في مقهىً، يُحَدِّثُ مَنْ يُحَدِّثُ مِن رفاقِ الأمسِ:
يا محمودُ
هل تدري بأني لا أُحِبُّ البيرةَ الســوداءَ ؟
عاماً بعدَ عامٍ بَعدَ عامٍ ،
كان أهلُ بْــراغَ يمتدحونَها
يتَـمَـطَّـقونَ بذِكْـرِها
وبِطَـعْــمِــها
حتى كأنّ البيرةَ السوداءَ ماءُ السلسبيلِ بجنّةِ المأوى
كأنّ البيرةَ السوداءَ كَـوثَـرُهُــم.
ولكني أداعِـبُـهُـم، وأمضي في الدُّعابةِ:
يا رفاقي
لا أُحِبُّ بْــراغ
لا أهلاً
ولا بَـلَـدًا
وأنتَ ، اليومَ ، يا محمودُ،
تَشْــهَدُ كيفَ تلعبُ بالعراقِ جماعةُ بْــراغَ
الشيوعيُّ الأخيرُ
اختارَ، بعدَ تردُّدٍ، ما اختارَ:
كأساً من نبيذٍ أحمرَ.
الْمقهى صغيرٌ، دافيءٌ
والنارُ نارُ جُذُوعِ صَفْصَافٍ تَـضَــوَّعُ كالبَخورِ
البارُ من خشبٍ عتيقٍ
ربّـما دخلتْ صديقـتُــهُ مصادَفــةً!
تميّزت تجربة الشاعر سعدي يوسف بكتابة يومياته، وهنا، في هذه القصيدة التي بعنوان: الشيوعي الأخير يثرثر، وقد كتبها في لندن عام 2010، يظهر اهتمامه بتأريخ أسفاره بالقصائد، وليست فقط أسفاره التي يعتني بتأريخها، وإنما حتى سهرات السمر مع الأصدقاء، أو المرور على نُصُب تذكاري، أو الجلوس العابر في حانة في منتصف شارع ما، في منتصف مدينة ما، في منتصف الليل. قد يبدو لك الأمر، عزيزي القارئ، تافهًا وعابرًا ولا يحتوي على شعرية، بينما هو مناط الاختلاف وفرادة التجربة عند هذا الشاعر الذي قضى حياته كلها تقريبًا متقافزًا فوق الخرائط، الشاعر الذي ظل يردد حتى مات: الحنين هو العدو!
حين تقرأ سعدي يوسف، يخيَّل إليك أنك تمشي في شارع عربي عادي، تسمع أصوات الباعة، وترى المقهى البسيط، وتشمّ رائحة الخبز الطازج. تلك التفاصيل اليومية التي قد تبدو عابرة تتحوّل عنده إلى شعر، لأن لغته تسعى إلى الإمساك بما يتبدّد. سرّ قوّة سعدي أنه لم يكن شاعر الغموض ولا شاعر التهويمات الفلسفية الثقيلة، بل شاعر "البساطة المُشِعَّة" إن صحّ التعبير. البساطة هنا ليست سذاجة، بل خيط رفيع يصل بين القارئ والقصيدة، ويجعله يرى نفسه داخل النص. ومع هذه البساطة، تتجاور عنده كثافة الصورة الشعرية؛ إذ يرسم مشهدًا كاملًا بكلمة واحدة، أو يحشد خلف عبارة عابرة إرثًا من الدلالات. أما الإيقاع عند سعدي، فليس صاخبًا، ولا هو مفتعل، بل إيقاع هادئ يشبه دندنات الحياة نفسها، حركة المقهى، وقع الأقدام، أو رفّة طائر. لقد صنع سعدي لغة يومية تحتفظ بجلال الشعر، فتصبح قصيدته قريبة ومألوفة، لكن عميقة في الوقت نفسه. إنك تقرؤه فتشعر أن القصيدة تتنفّس كما تتنفس أنت، وتعيش كما تعيش، ولهذا ظل حاضرًا عبر الأجيال.
اهتمامه بتأريخ قصائده بأدق الأرقام، بلغ حدّ أنه أرَّخ بعض قصائده باليوم والشهر والعام والساعة التي كتب فيها القصيدة. كان مهووسًا بتحنيط لحظته بالشعر، كان يحب الشعر إلى درجة الجنون، فقد عاش ملء حياته، إنسانًا وشاعرًا، وحالة ثقافية نادرة التكرار.
الشيوعي الأخير في عيون أصدقائه
"سعدي يوسف صوت فريد جامع، فيه خلاصة فنِّ مَنْ سبقوه، وهو مع ذلك طليعة لمن أتوا بعده. لغة صافية مختارة، وشجن مسمَّى إذا لفحك شممتَ ريح سعدي. وهو مع ذلك ليس من أصحاب التجارب الباطنية، بل إن على كتفيه، من غبار المعركة وأحزانها، أكثر مما على فرسانها المعدودين. لعلّه يحبُّ الشعر أكثرَ من نفسه، ويحبُّ الناس أكثر من الشعر. فهو يمنح نفسَه لفنِّه ويقدِّمُ نفسَه للناس بالإشارة. وكم أحبُّ هذا التواضع الآسر، كأنما في سعدي روحُ الوطن الخلاَّق التي لا يكترث بها أحد"
هكذا تحدّث الشاعر المصري الرائد أحمد عبد المعطي حجازي، بعبارةٍ تكاد تكون شاهدًا على تجربة سعدي يوسف، من شاعر رائد ومؤسس بحجم حجازي. وهذا ليس مُستَغربًا، لأننا إذا تتبّعنا مسيرة سعدي، وجدنا له مكانة كبيرة وعالية في نفوس أهمّ الكتاب والشعراء في عصره، ورأينا كيف نظرت له التجارب اللاحقة عليه، بإجلال واحترام كبير، لتاريخه، ومكانته المهمّة في الحداثة العربية.
ولو مضينا قدمًا في استذكار ما قاله الشعراء الكبار عن سعدي، لرأينا كيف أن المقام لا يتسع لها، لكثرتها وتنوّعها، لكن في كلام الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش عنه، ما يستحق الذكر، لما فيه من اعتراف بسلطان قصيدته، وإقرار بمكانته ومنزلته العالية في الحداثة الشعرية العربية، التي يُعَدُّ درويش أحد فرسانها، يقول:
"منذ بدأت قراءتي لكتابات سعدي يوسف، أصبح بالنسبة لي الشاعر الوحيد الذي يعبر عن ذائقتي الشعرية، باعتباره واحدًا من أعظم شعرائنا، قادَهُ الشعرُ، أو بالأحرى هو الذي قاد الشعر، بالثورة على التعالي في اللغة الشعرية، وخَلْق لغة شعرية جديدة في الشعر، تارة في التميُّز بالبساطة، وأخرى في البحث عن الجوهر، وبهذه الطريقة، يصبح الشاعر في قصائده الحياةَ نفسَها، الحياة بكامل معانيها وعفويتها".
وهذا ما أسَّست له كتابات سعدي يوسف، أنها تعتني بالحياة، بكل تفاصيلها وتجاربها، آلامها وأحلامها. حتى الجانب الرؤيوي في كتابات سعدي، كان حافلًا بكل ما هو مستبصر ومتنبئ بالآتي، وقارئًا فريدًا للغد، ببصيرة الشاعر، وتحليل المثقف. انتبه مبكرًا إلى أنّ موطن الإنسان خياله وعقله، فغادر بغداد إلى المنافي، غادرها وحمل معه ذكرياته، وطفولته، وأحلامه، ومكتبته، كأنه كان يبني وطنًا جديدًا في كل خطوة، ويبدأ حياة جديدة في كل صباح.
في معملِ الفخَّارِ كان فتًى يُسامرني طويلًا
حين نأوي في المساءِ إلى مهاجعِنا
ويومًا قال لي - ما أجملَ الذكرى- :
لماذا نصنعُ الفخَّارَ؟
قلتُ لهُ : لنأكلَ.
قالَ لي : هل نأكلُ الفخَّارَ؟
قلتُ : بدرهمٍ من رزقنا نبتاعُ خُبزًا.
قالَ : هذا سعرُ إبريقٍ
أقولُ : نعمْ.
ويسألُ : كم نِصَابُكَ يا فتى في اليوم؟
قلتُ : أظنُّهُ عشرينَ إبريقًا أتمِّمُها
ويسألُ ضاحكًا : كم خبزةً تكفي ابنَ حفصونٍ؟
أتعرفُ؟
مِنْ هنا
مِنْ جُهدِنا
مِنْ خُبزِنا المسروقِ
تبدأ دورةُ السرقاتِ والشركاتِ
تغدو دولةً
وتقيم أسوارًا وأبراجًا
وجُندًا يسهرونَ على أباريقِ ابنِ حفصونٍ
وسجنًا في المدينةْ
..
سعدي يوسف جسرًا ثقافيًّا
لا يمكن أن نفهم سعدي يوسف فهمًا كاملًا دون أن نتوقف عند ترجماته الغزيرة. لقد ترجم أكثر من عشرة دواوين وتجارب شعرية عالمية، من الإنجليزية والفرنسية وغيرها، ولم يكن هذا مجرد عمل ثانوي في مسيرته، بل كان رافدًا أساسيًا أسهمَ في صياغة لغته الشعرية. فالترجمة علّمته الاقتصاد اللغوي؛ كيف يلتقط المعنى في أبسط صورة ممكنة، وكيف يستغني عن الزوائد لصالح جوهر العبارة. كذلك فتحت له الترجمة أبواب الخيال الغربي، بما فيه من صور غير مألوفة وأفق بصري مختلف، فانفتحت لغته على صور لم تكن معروفة في التقليد العربي. بهذا صار سعدي يوسف جسرًا حقيقيًّا بين الثقافات: ينقل للقارئ العربي روح الشعر العالمي، وفي الوقت نفسه يقدّم للعالم صورة جديدة عن الشعر العربي.
إن الترجمة عند سعدي لم تكن نشاطًا هامشيًّا، بل كانت تجربة إبداعية موازية، أسهمت في بناء لغته نفسها، حتى إنك تجد أثرها واضحًا في قصائده التي تبدو كأنها مترجمة من بساطتها وشفافيتها، لكنها مشبعة بعربية صافية. لقد كان سعدي بحق "الشاعر المترجم" و"المترجم الشاعر"، وظلّ هذا الدور جسرًا ممتدًا بين ضفتي الشعر في الشرق والغرب..
سأكونُ خزَّافًا
فقال أبي : ستتركنا إذنْ
وأقولُ : كيفَ؟
يقولُ : مَنْ يخلُقْ من الصلصال أشكالَ الطيورِ يَطِرْ.
ولكني التففتُ ببرنسي
ومضيتُ نحو السوق.
دُكَّانُ ابن حفصونٍ يُواجهني
اقتربتُ مُتمتمًا أتأمَّلُ الفخارَ
ساءَلني ابنُ حفصونٍ : أجئتَ لتشتري ؟
خُذْ جَرَّةً ،
خُذْ ذلكَ الإبريقَ ،
هذا القِدْرَ ،
خُذْ طيرًا ،
وحين تشِبُّ تأتيني بأولِ درهمٍ من رزقِكَ المكتوبِ
. يا ولدي
أخذتُ الطيرَ
ثم جلستٌ مرتبكًا أقلِّبُهُ
ووشوشَني ابنُ حفصونٍ :
كأنك يا بُنيَّ تُريدُ أجنحةً
تعالَ..
وشدَّني لَهْفَانَ :
سوف تكونُ خزَّافًا
وسوف أنالُ أولَ درهمٍ من رزقِكَ المكتوبِ يا ولدي.
أسفار سعدي يوسف الكثيرة والطويلة، أثْرَتْ تجربته وجعلتها أقرب ما تكون إلى العالميّة، ليس فقط لنشاطه وتواجده في الأوساط الثقافية في كل بلد زاره، وإنما لانفتاحه على التجارب الثقافية في بلدان كثيرة. وإتقانُه لأكثر من لغة مكّنه من ترجمة أعمال مهمة وقيّمة، أضافت لمسيرته، وأضافت للمكتبة العربية تراثًا مهمًّا وخالدًا. والمقام لا يسمح بتعداد هذه الأعمال الآن، لكنها إضافة حقيقية، وجهد عظيم قام به.
آثر سعدي أن يظل رمزًا للتطواف والإنجاز، على أن يكون قارًّا وهادئًا في مكان، آثر أن يكون حرًّا، شيوعيًّا أخيرًا كما كان يُسمِّي نفسه، أقصى همِّه أن يذهب إلى السوق ليشتري قميصًا، لكنه يعدِل عن ذلك في النهاية، لأنه حر، ولون قميصه أحمر قان، وهذا، في نظره، هو لون الحرية.
ظلَّ الشيوعيّ الأخيرُ، هو، الفقيرَ
فإنْ تدَبَّـرَ أمرَهُ يومًا ، وصارَ المالُ يملأُ جيبَــهُ
( تأتي مُصادفةً )
تأبَّطَ مالَهُ
ومضى يبدِّدهُ : المقاهي والمطاعمُ ،
والصديقاتُ اللواتي صِرْنَ قد أحبَـبْــنَــهُ تَـواً
ورُبّـتَـما تذَكّـرَ أمرَهُ
أن يشتري، مثَلًا، قميصًا.
كم أحَبَّ السوقَ
تلكَ الواجهاتِ ، وباعةَ السِّـلَعِ الـمزوَّرةِ
الصبايا العاملاتِ
وذلكَ الصعلوكَ عندَ المدخلِ الخلفيِّ للبارِ العتيقِ
وكم أحَبَّ مصاطبَ السوقِ،
العجائزَ ، والسكارى الصُّبْحَ ، والأطفالَ
والشجرَ الذي ما زال يَعْبَقُ بالندى الليليِّ..
ينتبهُ الشيوعيُّ الأخيرُ
ألَمْ أجيءْ كي أشتري شيئًا ؟
قميصًا رُبَّــما ؟
يدنو من البارِ العتيقِ
يُمازِحُ الصعلوكَ
يدعوهُ إلى كأسٍ ، وصَحْنِ فطائرٍ بالـجُـُبْنِ
ينتبذانِ زاويةً
ومثلَ البرقِ يقتنعُ الشيوعيُّ الأخيرُ
بأنّ لونَ قميصِهِ أبهى
وأنّ تجارةَ القُمصانِ ليستْ شــأنَـهُ؛
أنّ الحياةَ تريدُهُ حُرّاً، وأحمرَ،
أنّ لونَ قميصِهِ سيظلُّ أحمرَ
قانياً،
ولْتسقطِ القمصانُ
إنْ كانتْ ستَعْـرِضُ بَيعَــهُ، هوَ، في مَزادِ الســوقْ.
الشيوعي الأخير والإسلام
ارتبط اسم سعدي يوسف بالشيوعية واليسار العربي، لكنه لم يكن شاعرًا حزبيًّا يكتب المنشور السياسي في ثوب شعري. كانت تجربته أكثر دقة وتعقيدًا: لقد آمن سعدي بالحرية والعدالة، لكنه أدرك أن القصيدة لا تحتمل الصراخ المباشر، بل تحتمل ما هو أعمق؛ الهمّ الإنساني. في قصيدته "الشيوعي الأخير"، نرى كيف يلتقط صورة عابرة في مقهى أوروبي، ليكشف عن خيبة جيل كامل، وعن التباس العلاقة بين الأيديولوجيا والواقع. بهذا المعنى، مارس سعدي نوعًا من "تسييس اللغة الشعرية دون أن تتحوّل إلى خطاب حزبي"، أي أنه جعل الشعر أفقًا للتجربة السياسية من خلال التفاصيل، لا من خلال الشعار. كان يكتب عن العراق في المنفى، عن الفقر والغربة، لكنه لا يرفع شعارات مباشرة، بل يزرعها داخل النسيج الشعري، لتظل القصيدة إنسانية قبل أن تكون سياسية. لقد أدرك أن الشاعر حين يتحوّل إلى منشد أيديولوجي يفقد الشعر قيمته، ولهذا ظل وفيًّا للشعر أولًا، وللإنسانية دومًا، حتى وهو يعلن نفسه "شيوعيًّا أخيرًا"
لكنّ من أكثر المحطات إثارة للجدل في تجربة سعدي يوسف قصيدته "عائشة بنت الباشا"، التي شكّلت صدمة كبرى في الأوساط الأدبية والثقافية والدينية على حد سواء. ففي هذه القصيدة تجاوزَ الشاعر حدود التخييل الفني إلى منطقة اعتبرها الكثيرون مساسًا صريحًا بالمقدسات الدينية، إذ تناول مقام السيدة عائشة رضي الله عنها والرسول محمد صلى الله عليه وسلم بلغة عابثة ومستهينة، أقرب إلى حديث شارع عابر منها إلى خطاب شعري يليق بالمقام النبوي الشريف.
هذه النزعة قُرئت على أنها لحظة من لحظات التطرف الشعري والفكري في تجربة سعدي، حيث أطلق لغته من قيود التوقير إلى استفزاز متعمَّد، بدا وكأنه لا يستهدف المؤسسة الدينية فقط، بل الجمهور الثقافي العربي المحافظ بأسره. وقد دفع هذا الموقف منظمة "شعراء بلا حدود" إلى سحب اسمه من قائمة أفضل مائة شاعر عربي، معتبرة القصيدة "رخيصة فنيًّا وأخلاقيًّا".
هنا، لا يعود السؤال نقديًا بحتًا عن الشعر، بل يتجاوز إلى قضية حدود الحرية وحدود التجريب: إلى أي مدى يمكن للشاعر أن يستخدم الرموز الدينية في لعبته الجمالية؟ البعض رأى أن قصيدة سعدي يوسف تعبير عن موقفه الأيديولوجي بوصفه شيوعيًّا رافضًا لأي مرجعية دينية، فيما رأى آخرون أن النص يمثل لحظة انكسار فني، إذ فقدت اللغة الشعرية توازنها بين الرمز والواقع، وتحولت إلى خطاب فجّ.
اللافت أن هذا التطرف لم يُلغِ قيمة سعدي الكبرى كشاعر، لكنه ألقى بظلال كثيفة على إرثه، وجعل اسمه يرتبط بجدل أخلاقي بقدر ما يرتبط بإبداعه الفني. وهكذا، تكشف هذه الحادثة عن الجانب الملتبس في مسيرة شاعر كبير: شاعر وسّع آفاق الشعرية العربية، لكنه لم يتردّد في اختبار أقصى حدود الحرية، ولو على حساب مكانته الأدبية في الوعي الجمعي.
وعلى الرغم من أن سعدي يوسف كان مثقفًا من طراز فريد، وكان جسرًا ثقافيًا يصل العالم بالعرب، والعرب بالعالم، عن طريق ترجماته وأسفاره، لكنه، في هذه القصيدة، كشف عن تطرف بغيض لا يتناسب مع ثقافته وانفتاحه على العالم والثقافات والحضارات، ثقافته التي كان ينبغي أن تقوم على أساس أن الاختلاف ضروري، ولا يعني العداوة.
في النهاية، تظل رحلة سعدي يوسف، منذ طفولته في قرية حمدان بالبصرة إلى رحيله في لندن، صورة مكثفة لشاعر عاش على حافة الترحال والاغتراب، وصنع من الشعر وطنًا بديلًا يعبر من خلاله عن ذاته وعن عصره.
لم يكن شاعرًا عابرًا للزمن فحسب، بل كان حاملًا لذاكرة العراق وثقافته، ومرآة لتحولات الحداثة العربية، ومنفتحًا على العالم بفضل ترجماته وأسفاره. في قصائده، تلمس البساطة واللغة اليومية، والعمق الذي يجعل من تفاصيل الحياة العادية شعرًا خالدًا. وفي مواقفه السياسية، ترى شاعرًا التزم بالشيوعية بوصفها حلمًا للحرية، لكنه لم يسقط في فخ الشعارات، بل جعل الشعر ساحة للتعبير الإنساني الأرحب. أما ترجماته، فقد جعلت منه جسرًا ثقافيًّا بين العرب والآخر، وأدخلت على شعره طزاجة الصور ودقة الإيقاع. ورغم أن قصيدة "عائشة بنت الباشا" كشفت عن جانب صدامي ومتطرف في تجربته، فإن إرثه الشعري يبقى أوسع من هذه اللحظة المثيرة للجدل. إن سعدي يوسف، ببساطته وتمرّده، برحلته الدائمة وحنينه الممزق، يبقى شاهدًا على قدرة الشعر أن يكون حياة كاملة، وأن يظل حاضرًا حتى بعد غياب صاحبه، تمامًا كما يظل قميصه الأحمر رمزًا للحرية التي لم يُساوَمْ عليها قط.