ultracheck
الزواج النخبوي

الزواج والنسب: حين تُعيد السلطة تشكيل الحب

15 أبريل 2025

تصف بعض الكتابات المصرية بدقّة أجساد الآلهة وصفاتهم النبيلة، وتذكر أنها مخلوقة من مواد نفيسة، لحمهم من ذهب، وعظامهم من فضّة، وشعرهم من لازورد، وتفوح منهم رائحة البخور الذي عرفه الفراعنة.

ونظرًا لتداخل العلاقة بين الآلهة وحكّام مصر القديمة، وبعد أن تساوى الفراعنة الأحياء مع الإله حورس، واعتُبروا في مرحلة ما، أبناءً للآلهة، وبالتحديد أوزوريس ورع، أصبحت دائرة الزواج ضيّقة في الأسر الحاكمة، واقتصرت في بعض الحالات على زواج المحارم، حتى تبقى الدماء الملكية واحدة ولا تذهب خارج العائلة.

الزواج المحرّم

كانت زيجات الملك أخناتون كثيراتٍ، أشهرنّ الملكة نفرتيتي التي لم تُنجب له سوى الفتيات، وتُشير دراسات أثرية، أن أخناتون "اضطر" للزواج من أخته لتنجب له توت عنخ آمون وريث العرش. ويقال أيضًا إن توت عنخ آمون تزوّج هو الآخر من أخته غير الشقيقة عنخ إسن آمون، وكان في الثامنة من عمره، بينما كانت هي تبلغ 13 عامًا.

تعدّ مقبرة توت عنخ آمون واحدةً من شواهد زواجه من أخته عنخ إسن آمون التي ترعرت معه في القصر، وهي الابنة الرابعة من بنات أخناتون ونفرتيتي، ويمكن القول إن "المصاهرة النخبوية" في مصر القديمة، كانت واحدة من التقاليد التي تمسكت بها الأسر الفرعونية الحاكمة للحفاظ على الحكم.

ربطت دراسات كثيرة زواج المحارم هذا بوفاة الفرعون الشاب في الـ 19 من عمره، وتذهب إلى أن سبب اغتياله كان تشوّهات خلقية عديدة وُلد بها، مستندة إلى صور بالأشعة السينية أجريت على المومياء، تُظهر أنه كان أعرجًا (القدم الحنفاء) ويتوكّأ على عصىً، إضافة إلى تشوهات في الفكّ والأسنان واعوجاجٍ في العمود الفقري.

رّبما لأنه شكله لا يتطابق مع الصورة المثالية للفرعون/الإله، فقد تبدو هذه الفرضية منطقية، إذ تذهب روايات إلى أن وفاته قد تكون جرّاء عملية اغتيال قام بها الوزير خبرخبرو رع، وتستند هذه الروايات إلى عدّة أدلة.

لقد شاع بين الأسر والعائلات الحاكمة منذ القدم وإلى عصرنا الحالي، الاحتكام إلى تقاليد وقوانين صارمة تشترطها في الزواج على أبنائها، وحصرته في دوائر عائلة ضيقة.

لقد كان الزواج الطبقي على الأرجح، يهدف إلى الحفاظ على السلطة والنفوذ والأملاك العقّارية، فأوجدت المجتمعات ما يُسمّى اليوم بـ"الزواج المتكافئ" في علم الاجتماع، وهو ما يتقارب مع مفهوم الزواج اللحمي أو "المصاهرة النخبوية" أو ما أطلق عليه في أوروبا بـ "الزواج المورغاناتي".

سنجد أن فكرة هذه الزيجات جميعًا تصب في صالح استراتيجية مجتمعية لضمان بقاء السيطرة السياسية والثروة في يد قلّة من المجتمع تتداولها من جيل إلى جيل، متخذة مبرّرات دينية وعرقية وعنصرية مقيتة.

زواج الأقارب

يسمّى أيضًا الزواج اللحمي، وهو زواج يشترط قرابة الدم، وغالبًا ما تكون أهدافه هي الحفاظ على بقاء واستمرار الجماعات وعدم اختلاطها بغيرها، ويكثر هذا الزواج في الجماعات القبلية، لحماية الأراضي والممتلكات من انتقالها بالميراث إلى عائلات دخيلة على المجتمعات المغلقة، ورغم ما يحمله هذا الزواج من أخطار صحيّة، سنجد أنه مازال معتمدًا إلى اليوم في بعض مناطقنا العربية، رغم تراجعه كثيرًا في الأجيال الجديدة.

لطالما كانت فكرة زواج الأقارب مترسخّة لدى قبائل وحضارات الشعوب القديمة، واستمّدت مشروعيتها من معتقدات دينية "متطرفة" أحيانًا تؤيّدها وتُباركها؛ فالديانة الزرداتشية، وفق مصادر تاريخية، تسمح بزواج الأب من ابنته والابن من أمه والأخ بأخته وتباركه بأحكام ثيوقراطية يكرّسها رجال الدين.

جاء في كتاب الزرادشتيين المقدس، الذي أُلف في القرنين الأوّل والثاني بعد الإسلام، أن "أن الزواج بين الأخ وأخته منور بمجد إلهي، وله فضيلة طرد الشيطان" وكان زواج المحارم يُعتبر في تلك الفترة كنظام ديني واجتماعي، دليلًا على نقاوة دم الأسرة كنظام اجتماعي ديني، ويسمى هذا النوع من الزواج (خويذ وكدس).

تقول باحثة الأنثروبولوجيا الفرنسية جرمين تيليون إن "النبل والشرف لا يُمكنهما أن يتحقّقا إلا بغياب الاختلاط"، حيث تُرى أن البنية القبلية برمّتها، تقوم على استحالة تملّك الأرض من طرف أجانب، فهي تُعتبر إرثًا عائليًا يجب الحفاظ عليه، وعلى هذا الأساس، هيّأت هذه القبائل نظامًا لا يُسمح فيه للأجنبي بأن يُصبح وريثًا شرعيًا، وعندما تتزوّج الفتاة من غير ابن عمها، فهي تُحرم تلقائيًا من الإرث، لذلك كانت القبائل أو "الجماعات القرابية" تعمد إلى تزويج البنات إلى أقارب ينتمون إلى النسب الأبوي.

الزواج المتكافئ

يُطلق على زواج النُخب المتشابهة في المستوى الاجتماعي والثقافي والديني، مصطلح "الزواج المتكافئ"، ويعني الزواج من أفراد متشابهين بطريقة ذات أهميّة ثقافية، ويقد يقوم الزواج المتكافئ على المكانة لاجتماعية أو الاقتصادية أو الجنس أو العرق أو الدين.

بعيدًا على الوصاية المجتمعية والتقاليد الموروثة الممارسة على عقود القران، سنجد هناك ميلًا لهؤلاء الأفراد المتشابهين في الدين أو الطبقة أو الجنس لإقامة علاقات شخصية مع بعضهم البعض، واقُترح استخدام مصطلح الزواج المتكافئ للإشارة إلى الزواج المثلي أيضًا، بينما استُخدم مصطلح الزواج غير المتكافئ للإشارة إلى الزواج أو الجمع بين أفراد من أجناس مختلفة.

الزواج المورغاناتي

ويُسمّى أيضًا بالزواج "الأعسر"، وهو زواج بين شخصين من طبقة اجتماعية غير متكافئة، وكان هذا النوع من الزواج، يمنع في سياق الحكم الملكي انتقال الألقاب النبيلة الموروثة عن الأسر الحاكمة، كما كان يمنع انتقال أيّ منصب أو امتيازات إلى الزوج أو الزوجة أو الأطفال، ممن يولدُون من هذا الزواج، وتذكر مصادر أوروبية، أن هذا المفهوم انتشر بشكلٍ أكبر في المناطق الناطقة بالألمانية والبلدان الأكثر تأثّرًا بالبلدان الناطقة بالألمانية.

يوصف الزواج المورغاناتي بشكلٍ عام، بأنه زواج بين رجل من أصل رفيع وامرأة من مكانة أدنى مع عامة الشعب، وعادة لا يحقّ للعروس ولا أي من أطفال هذا الزواج بالمطالبة بحقوق الزوج في الخلافة أو الألقاب أو حتّى الممتلكات المترتبة عليه، ويُعتبر الأطفال شرعيون لجميع الأغراض الأخرى، وفي بعض البلدان يُمكن للمرّأة أيضًا الزواج من رجل من طبقة أخرى بشكلٍ مورغاناتي.

زواج الأمير هاري

في المجتمعات الأكثر تفتحًا، قد لا نجد مثالًا عن توصيف الزواج المورغاناتي، مثلما سنجده في الجدل الذي أثير حول زفاف الأمير هاري سنة 2018، فهاري أحد أعضاء العائلة البريطانية المالكة، سيتجوّز ممثلة أميركية سمراء تُسمّى ميغان ماركل، وسيكون هذا حدثًا تاريخيًا، يفيض بكلّ النقاشات التاريخية والعرقية والعنصرية، ويفتح بابًا خلفيًا في أحد أروقة قصر باكنغهام، لطالما كان موصدًا أمام الفضوليين والإعلاميين.

قالت ميغان ماركل في مقابلة مع الإعلامية شهيرة أوبرا وينفري بث على قناة "CBS" الأميركية، إن أفكارًا انتحارية راودتها، بسبب تقارير الصحافة الصفراء العنصرية التي طالتها.

تشير زوجة هاري في هذا الحوار، إلى العنصرية التي تعرّضت لها في القصر الملكي البريطاني أيضًا، بتأكيدها أن العائلة حرمت ابنها من لقب أمير، إثر مخاوف من لون بشرته، وقالت إنهم "كانوا لا يريدون أن يكون إبني أميرًا، وكان يدور حوار حول مدى دكانة بشرته عند ولادته".

لم تسلم ميغان من ممارسات فُسرت بأنها عنصرية، صدرت عن أعضاء من العائلة المالكة، كارتداء ابنة عم الأمير هاري، قطعة مجوهرات تمثّل شخصًا أسود. وفي كانون الثاني/يناير أعلن الأمير هاري وزوجته الممثلة ميغان، عن تنازلهما عن دورهما كعضويين رفيعي المستوى في العائلة المالكة، وذكرا، وقتئذٍ، أنهما سيعملان ليُصبحا مستقلين ماديًا. 

وفي هذا السياق أيضًا، فصلت هيئة الإذاعة البريطانية "بي.بي.سي" المذيع داني بيكر، بسبب نشره تغريدة على تويتر، تزامنت مع ميلاد آرتشي الابن الأوّل للزوجين هاري وميغان، حيث أرفق تغريدته بصورة قردٍ يرتدي ملابس، وقد جاء في التغريد "الطفل الملكي يغادر المستشفى".

النبلاء الأوروبيون

ستأتي المصادر التاريخية، على ذكر أن طبقة النبلاء الأوروبيين حافظت على هيمنتها لعدّة عقود، ولتضمن استمرار السلطة السياسة والثروة إلى أجيال لاحقة، كان لا بدّ من اختراع قوانين تحصر هذه الثروة والنفوذ في يد قلّة فقط قدر الإمكان، وهو ما عُرف لاحقًا بالزواج الداخلي، وقد كان الأبن الأكبر في العائلة هو من يرث ممتلكات والديه ولقبهما.

يُظهر كلٌ من عالما الاجتماع الفرنسيين بورديو وجان كلود باسرون أن النخب  أو "الطبقة العليا" تحافظ على هيمنتها من خلال رأس المال الاقتصادي والثقافي في المجتمعات الأوروبية.

وفي ورقة بحثية استندت إلى قاعدة بينات للنبلاء الأوروبيين حملت عنوان "استراتيجية الزواج بين النبلاء الأوروبيين"، سيقوم الباحث بمقارنة بين أنماط زواج النبلاء البريطانيين والألمان من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر، استنادًا إلى مجموعة البيانات من موقع هربرت ستويان الإلكتروني.

يعرض الموقع السجّلات بصيغة "شجرة العائلة"، كل صفحة ويب تُمثّل فردًا، وهو بمثابة عقدة متصلة، عبر رابط تشعبي، بوالديه وشركائه وأطفاله، ويصل البحث في استنتاجاته إلى أن النبلاء البريطانيين كانوا أكثر ميلًا إلى الزواج من عامةّ الناس مقارنة بالألمان في القرنين الأخيرين استنادًا إلى العينة المختارة.

كفاءة النسب في الإسلام

في عصرنا الحالي، سنجدُ أن هناك من يُقّلب في دكاكين الفتاوى الافتراضية على الإنترنت، عن فتوى تكرّس مفهوم الزواج الطبقي، وتُلبس النظرات الدونية والعنصرية للقبائل والمجتمعات الأخرى، تأويلاتٍ دينية، تأتي من تفاسير بعض المشايخ.

قد نجد أن التحجج بكفاءة النسب أخذ قسطًا واسعًا من البحث لتبرير تحريم الزيجات أو منعها، أو القول مثلًا: إن غير الشريف لا يصحّ أن يتزوج بالشريفة الهاشمية.

في مقابل هذه الفتاوى، يذهب آخرون إلى الاستشهاد بالتاريخ الإسلامي، وبالسيرة النبوية تحديدًا، حيث تحضر أمثلة كثيرة عن ذوبان هذه الاختلافات الطبقية، حيث يُروى أن النبي محمد، زوّج زينب بنت جحش القرشية من زيد بن حارثة مولاه، وزوّج فاطمة بن قيس الفهرية القرشية من أسامة بن زيد، وسنجده أيضًا زوج بنتيه من عثمان بن عفان وهو من بني عبد شمس وليس هاشميًا، وزوج أم كثلوم من عمر بن الخطاب، وتزوّج بلال بن رباح، بأخت عبد الرحمان بن عوف القرشية.

الميراث والمصاهرة

في ورقتها البحثية حول المصاهرات بين العائلات النخبوية، للباحثة قرندع زوليخة، بجامعة قسنطينة عبد الحميد مهري بالجزائر، ستركّز حول أهم المصاهرات بين التي جمعت قبيلة المرازقة في ولاية تلمسان، في الفترة الممتدة بين القرنين (13/15م).

يأتي هذا البحث، لأجل فهم العوامل المتحكّمة في زيجاتهم إلى جانب المعايير المتعلقة بانتمائهم إلى فئات اجتماعية اشتهرت بالعلم والصلاح، مع تراتبية اجتماعية حُدّدت بالمال والمجاه مع السلطة والنفوذ، محوّلة إياها إلى تكتّلات اجتماعية يصعب اختراقها دون خصائص النخبوية والتفوّق العلمي والمادي.

ترتّب عن هذه العلاقات، تُضيف الباحثة، عدّة نتائج أهمّها الحفاظ على استقرار العائلة المادي والعلمي، ولا يكتمل ذلك إلا بربط علاقة يضاهي بين المرازقة، ولا يتجسّد ذلك إلا في ظل المقربين من هذا البيت الذي جمعته لبهم علاقات حميمية تعود إلى أيّام الموحّدين وبالضبط الصلة التي ربطتهم بالصوفي أبا مدين شعيب الإشبيلي، الذي دعا لهم بالبركة على حدّ تعبير صاحب كتاب "نفح الطيب".

قد تستمدّ المصاهرة بين العائلات النخبوية مشروعيتها من الفتاوى الدينية التي تعمل على ترسيخها وتثبيتها في المجتمعات، مهما اختلفت المعتقدات والعصور، وربمّا يكون هذا الجانب أكثر حضورًا وقداسة، في مُجتمعات يغيب فيها التعليم وتنتشر فيها قابلية تصديق الخوارق والأساطير، فنجد أن الاحتماء بالغطاء الديني، غالبًا ما يكون وسيلة فعالة لفرض الرقابة على أفراد المجتمع والتدخّل في مصائرهم وخصوصياتهم وقراراتهم المصيرية مثل الزواج.

في الجزائر، لجأت بعض قبائل الأمازيغ إلى حرمان المرأة من الميراث بفتوىً دينية صريحة سنة 1749، ونجد هنا، أنه بدل اللجوء إلى الزواج الطبقي لحماية الأراضي من تملّك الغرباء، قطعت هذه القبائل الأمازيغية الطريق أمامهم بشكلٍ مباشرٍ بالاستناد إلى فكرة دينية مرّة أخرى.

يُروى أن شيوخ قبائل الأمازيغ الذين لجأوا إلى هذه الفتوى، لمنع الأتراك الذين تزوّجوا من جزائريات من الحصول على أراضي الأمازيغ، ومنع الأجانب من التوغّل في ممتلكات أعراشهم بسبب الصراعات القبلية، ورغم التراجع عن هذه الفتوة، وفق بعض المصادر،  مازالت بعض المناطق الجزائرية تحتكم إلى قانون يمنع المرأة من الميراث (خاصّة في مجال العقّار) إلى غاية اليوم.

عادات ملكية 

في المغرب، تُشير مصادر تاريخية عديدة، إلى أن العلويين كانوا يحرّمون على الشريفات العلويات من الزواج من خارج العائلة العلوية، وهي قاعدة استمرّت إلى غاية 1929.

وكان الملك الراحل الحسن الثاني، صارمًا في مسألة رفض زواج أفراد أسرته الذكور من أجنبيات، وأصدر قانونًا يحرّم هذا الزواج، ومع مرور الزمن تخلّصت الأسرة الملكية من هذه الارتباطات.

 فقد تزوّجت حفيدة الملك الحسن الثاني، الأميرة للا سكينة من شاب من خارج الأسرة، وتزوّج ابن عم الملك، الأمير مولاي إسماعيل شابة ألمانية.

الملك محمد السادس، احتفظ بصفة الآمر الناهي في موضوع الزواج، رغم تخلّصه من كثير من الممارسات المرتبطة بالجيوش والحريم، فكان زواج للا سكينة والأمير مولاي إسماعيل، في سياق الاحتفال داخل الأسر الملكية عبر تأكيد الموافقة والحضور الشخصي للملك في عقد القران باعتباره صاحب الكلمة الفصل.

أكبر قرارات الملك محمد السادس، كان عقد قرانه على واحدةٍ من الشعب وهي للا سلمى، قاطنةٍ حيٍّ شعبي بالرباط، لتُصبح لاحقًا سيّدة المغرب الأولى، وتظهر معه في نشاطاته الملكية وتعمم صورتها على الصحف والمجلّات.

بين الدين والقانون

سنجد في ثقافات المجتمعات والقبائل العربية، علاقة معقّدة بين الدين والتقاليد الموروثة، وإن كانت أغلب القوانين الطبقية والعنصرية التي أُنشأت تحت غطاءٍ ديني لحماية الممتلكات والنفوذ وبسط السيطرة، استمرّت كممارسات متوارثة وسلوكات مجتمعية لفترة طويلة من الزمن، قبل أن تتخلّى عنها أجيال كثيرة عنها فيما بعد، في مقابل ذلك، تطوّرت في مجتمعات أخرى، لتقنّنها السلطات الرسمية وتتبنّاها وتدافع عنها، تحت مسميّات قانونية مستوحاة من تأثير الخلفيات الدينية.

بقيت المسائل الطبقية في عقود القران حاضرةً في المجتمع السعودي؛ فأوصاف مثل قبلي وخضيري، ونجدي وحجازي، مازال معمولًا بها داخل المجتمعات، وحتى سنة 2016 كان خيار فسخ النكاح لاختلاف النسب من طرف وزارة العدل السعودية متاحًا للراغبين في تقديم قضية للمحكمة، عبر وثيقة يمكن الحصول عليها عبر الإنترنت.

بسبب الضغوط الشعبية المتزايدة، أزالت وزارة العدل هذه الوثيقة، بعدما حكم قاضي محكمة العيينة بفسخ الزواج بين المواطن علي القرني وزوجته مها التميمي، بحجة عدم تكافؤ النسب. إذ كانت السلطة تتدخل لتطبيق إحدى صور التفريق الطبقي بين المتزوجين، وتسمح لأيّ مواطن برفع قضية لتطليق مواطنين آخرين، تحت مسمى عدم تكافؤ النسب، محوّلة إيّاهم إلى أجهزة رقابة على العلاقات الاجتماعية.

وبالعودة إلى سلطة الدين مجدّدًا، ستتقنّع الأحكام القانونية الخاصّة بفسخ الزواج، بالفتاوى الدينية، وتتخذ من "الغرر" ذريعة شرعية لإصدار الحكم، والغرر هنا حسبهم: "هو أن الزوج لم يوضّح لأهل زوجته، بالشكل الكافي، بأنه ينحدر من قبيلة معيّنة أو نسب معين".

السلطات السعودية لا تُشّجع على الزواج من غير الجنسية السعودية، وتضع قيودًا ثقيلة، كان آخرها إضافة شرطين جديدين لزواج السعوديان من أجانب، أحدهما ألا يتجاوز عمر المرأة السعودية 50 عامًا، والثاني ألا يزيد الفارق العمري مع الخاطب 15 عامًا.

وترفض القوانين السعودية، السماح للمبعوثين من الطلبة والموظّفين على حساب الحكومة، من الزواج بغير السعوديات أو للمبتعثات بالزواج من غير السعوديين، وإن تم ذلك سيواجهون عقوبات قاسية.

يترتّب عن هذا الزواج، فصل الموظّف أو الطالب من منصبه، وعدم توثيق زواجه من قبل الجهات المختصة بالمملكة، وعدم دخول الزوجة غير السعودية للملكة وإنهاء إقامتها إن كانت مقيمة على تراب البلاد. حيث ترسّخ هذه القوانين تمييزًا طبقيًا بين السعوديين وغيرهم من جنسيات مختلفة.

إلى هنا، يعتبر الزواج الطبقي أو النخبوي، واحدًا من أجهزة الرقابة المجتمعية التي قلصّت من حريّات اختيار الفرد، وعزلته عن بقية المجتمعات الأخرى، وكرّست مفاهيم أرستقراطية وأوليغراشية، وساهمت في احتكار الثورة والنفوذ، لخلق طبقة إقطاعية داخل المجتمع.

وإن كانت فكرة الزواج المتكافئ أسهمت في إحلال السلام كعلاقات المصاهرة التي جمعت بين العائلات الملكية الأوروبية، إلا أنها دفعت في الوقت نفسه، إلى زيادة الشرخ بين الطبقات الحاكمة البرجوازية وعامة الشعب، ووسع الهوّة المالية وخلق أذرعًا اقتصادية للطبقة الملكية وحاشيتها، ومكّن الثروة في يد قلّة من المجتمع، وهو ما أدّى لاحقًا إلى إذكاء ثورات شعبية لإنهاء هذه السيطرة مثلما حدث في الثورة الفرنسية سنة 1789.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

الكوفية الفلسطينية (ميغازين)

من قماش إلى قضية.. الكوفية على كتف العالم

كيف عبرت الكوفية من كتف الفلاح الفلسطيني إلى أعناق المتظاهرين في برلين ومدريد وجامعات أميركا؟ وكيف انتقلت من لباسٍ فلكلوري إلى أيقونة عالمية للمقاومة؟

هند جودة

جين مقدسي وكتابة المذكرات بابًا إلى التاريخ (ميغازين).
جين مقدسي وكتابة المذكرات بابًا إلى التاريخ (ميغازين).

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

ممدوح النابي

لطمي النيل حضور راسخ في الثقافة الشعبية المصرية (ميغازين).

في البدء كان خنوم.. طمي النيل في الثقافة الشعبية المصرية

عن طمي النيل وتشكُّلاته في الذاكرة الشعبية المصرية عبر العصور.

عبد العظيم فهمي

تاجرات ووسيطات عقاريات قبل عشرة قرون (ميغازين).

سمسارات عقارات ووسيطات تجاريات.. النساء قبل عشرة قرون

سيدات الأعمال ونشاطُهُن في العصور الفاطمية والأيوبية والمملوكية

إيناس كمال

فن التلاوة بين ماضٍ عريق وحاضر مأزوم (ميغازين)

فن التلاوة: مِن ماضٍ عريق إلى حاضر مليء بالأزمات

قراءة في رحلة فن التلاوة العريق من ماضٍ حافل بالقراء الكبار، إلى حاضر مليء بالأزمات

هيثم أبو زيد

المزيد من الكاتب

نصر الدين حديد

كاتب من الجزائر

ممنوع التصوير.. الصحافة في زمن "الإي آي"

بينما كان الصحفي يتكفل بنقل المعلومة إلى المواطن، صار بإمكان المواطن تغذية وسائل الإعلام بكم كبير من المعلومات ذات المصداقية العالية من موقع الحدث