يصعب الحسم عند محاولة تحديد تاريخ لاهتمام الإنسان، في مختلف الثقافات العالمية، بمظاهر التأنق وإصلاح المظهر الخارجي، من حيث اللباس ومعه وسائل الزينة والجمال المختلفة؛ ذلك أن الهيئة البشرية تتحسن باللجوء إلى مصنوعات وسلوكيات تلتقي في ثلاث مجموعات دلالية: التجميل والعطر والحُلي.
لقد تزيّن الإنسان، ذكرًا كان أم أنثى، وتعطر بأشياء طبيعية أو اصطناعية. وهكذا فصناعة الحلي والمجوهرات ولبسها أمران قديمان، إذ إنها (أي الحُلي) قبل أن تكون أشياء بسيطة للتجميل والتزيين، تمتلك قيمة روحية ورمزية، بل وأضحت اليوم علامة تؤشر على ثقافة هذه المجتمعات وخصائصها ومميزاتها.
على مستوى المجتمع المغربي، تتعدد أشكال الحلي وزخارفها ومعادنها، بشكل يعكس تفاعلها مع مختلف الروافد الثقافية والحضارية التي تميّز هذا المجتمع. ولا يمكن الفصل بين الوظائف المتعددة التي تتميز بها الحلي في المغرب؛ وأبرزها الوظيفة الجمالية المشتركة بين جميع المجتمعات ومختلف الحضارات، بالإضافة إلى وظائف أخرى موازية على غرار الوظيفة المادية والسياسية والرمزية.
في البدء كانت الحُلي
عبر ملايين السنين، صاغ الإنسان المغربي وسائل زينته وحُليّه وفق احتياجاته وتبعًا لظروف عيشه آنذاك، إذ استطاع أن يبدع بما توافر له من وسائل، رغم بساطتها، فأبدع كل يوم شيئًا جديدًا يعبّر عن كفاياته الفكرية والحسية، ويؤكد به وجوده الإنساني. وهو ما تعكسه حقيقة واحدة من أقدم الحلي في العالم التي اكتشفت في منطقة "بيزمون" نواحي الصويرة (وسط المغرب).
عُثر في مغارة بهذا الموقع القريب من الساحل، على 32 صدفة بحرية في مستوى أركيولوجي مؤرّخ ما بين 142 ألف إلى 150 ألف سنة. وهذه الأصداف البحرية المُكتشفة، كما أكدت وزارة الثقافة المغربية، "كانت تُستخدم من طرف الإنسان على الأرجح باعتبارها قلادة، وقد تدل بذلك على سلوك رمزي قديم جدًّا".
على هذا الأساس، يُفسّر المصدر ذاته "استعمال هذه الأصداف البحرية على أنها تعبير عن الهوية الاجتماعية والثقافية لمن يرتدونها. وبالتالي يُعدّ هذا الاكتشاف بمغارة بيزمون أقدم دليل مادي مباشر على وجود نظام للتبادل والتواصل بين أفراد المجموعة الواحدة وخارجها أيضا، وهو سلوك يتضح الآن أن أصوله قديمة من خلال ما تم العثور عليه بمغارة بيزمون".
روائعُ أسلافٍ مَهَرة
رغم أن الحُلي تبدو غير ضرورية لاستمرار الإنسان في الحياة، لكونها لا تتصل بسلوكيات وممارسات لازمة، فإن المنتوجات اليدوية تعتبر ظاهرة اجتماعية في عمقها، بالنظر إلى حضورها القديم في المجتمع المغربي. ويشهد على ذلك ازدهار محلات المصنوعات اليدوية في جميع أنحاء البلاد، بل وفي أرياف وجبال المغرب، مما يدل على حرفية عريقة وفن حياة مغربي يمتد لآلاف السنين.
تقول الباحثة حنان لبشير، في مقالها "الحلي التقليدية: تراث الأجداد" (نُشر بمجلة حديقة هيسبريديس الناطقة بالفرنسية، عدد 13، غُشت -آب/أغسطس- 2022): إنه بأيادٍ ماهرة مدربة على مجموعة من الحركات التي تتكرّر بانتظام ودون انقطاع، ومن خيال واسع ومبدع، "يقوم "الأسياغ" (الاسم الأمازيغي للصائغ) بتحويل معدنه الخام إلى عمل فني نهائي ببطء وبثقة. إنها عملية فريدة كاملة وشخصية، لأنه وحده من يضمن جميع مراحل هذا التحويل من الصهر إلى الصقل".
تضيف الباحثة، وهي تصف هذه العملية الإبداعية، أن ذلك يتم في "ورشة تقليدية بسيطة لا تعكس حقًّا روعة الإنتاجات التي يُصمّمها" وأن "أدوات العمل التي يستخدمها هي من تصميمه الذاتي، لتلبية المتطلبات التي يفرضها التعامل مع المادة. وتكون موضوعة على الأرض، في متناول اليد، أو مجموعةً في حقيبة، ترافق الصائغ في تنقلاته المختلفة مع زبائنه، خاصة في الأسواق الأسبوعية أو حتى في المنازل في القرى النائية".
في هذا السياق بالضبط، يلفت المؤرخ الفني الفرنسي، إيفو غارميت، أن الصائغين كانوا في فترات سابقة من تاريخ المغرب، "صاغةً وتجارًا، يعيشون على إيقاع الأسواق الأسبوعية حيث كانوا يحاولون بيع بضائعهم. وكان لديهم عادةً ورشةٌ صغيرة لصنع مجوهراتهم أو كُشك يعرضون فيه ثمار عملهم، أي المجوهرات المصنوعة بشكل يدوي حديثًا".
في كتابه "الحلي في جنوب المغرب"، يشيد غارميت، الذي تجوّل في أسواق جنوب المغرب في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بإنتاجات و"روائع" (هكذا وصفها) الحرفيين المغاربة في تلك الفترة، مقارنة بإنتاجات منتصف القرن العشرين، "والذي اتّسم بانخفاض حاد في جودة صنعة المجوهرات والقطع الفضية، فضلًا عن جمالياتها".
إبداع في كل الجهات
لم تكن صياغة الحلي والمجوهرات حكرًا على منطقة مغربية دون أخرى، وإن كانت أغلب الدراسات تشير إلى غنى الحلي بالجنوب المغربي وخصوصًا منطقة سوس الأمازيغية. لكن الأكيد أنّ الحرفيين والصاغة انتشروا في كل جهات البلاد، وتمكنوا أيضًا من إبداع أشكال مختلفة من الحلي.
عرّج الصحافي والقنصل الأمريكي، جورج إدموند هولت، في مذكراته "المغرب الغريب" ( ترجمها على حلقات الصحافي والكاتب المغربي يونس جنوحي ونُشرت على صفحات جريدة الأخبار المغربية)، عرّج على أسرار الصاغة المغاربة وهو يتنقل قبل أكثر من قرن بين مدن طنجة وأصيلة والعرائش شمال المغرب.
يقول هولت، الذي شغل قنصلا في طنجة (شمال) بين 1907 و1909، "سوف نتوقف أولًا هنا عند هذا المتجر الصغير الذي يقع على مقربة من الشارع الرئيسي في طنجة.. وضع الصائغ (يهودي اسمه إسرائيل بن أتويل) مبرده الذي كان يستخدمه لنحت سوار ثقيل من الفضة، ومد يده في اتجاه ركن مظلم من متجره، وأخرج سلسلة من الأساور والخواتم. كانت كلها من الفضة".
تشير مذكرات الصحافي والقنصل الأمريكي، أنه من بين الأساور التي قدمها الصائغ، "كان هناك سوار منقوش بتصميم وردة برية جميلة، وهذه النقوش كانت من سمات صَيّاغي مراكش. كل مدينة في المغرب، لها خصوصيتها في الفنون والحرف اليدوية".
فرادة الحلي المغربية
تُجسّد الحلي المغربية أمثلة لفن شعبي أصيل؛ لأنها تعكس مباشرة تصورات وإحساسات مجالية وزمانية متماشية مع أسلوب حياة محدّد، إذ إنها تؤرخ لماضي الساكنة ومعتقداتها، وتترجم معاناة الأفراد الذين صنعوها وأفراحهم. وهي بصورتها الجمالية الجذابة ذات قُدرة على أن تعكس معطيات الواقع.
من خلال ذلك، تؤكد الباحثة بهيجة حيلات، في مقالها "الحلي واللباس الأمازيغي السوسي تحف من التراث المغربي"، أن الأصناف المتعدّدة من الحلي "تعدّ نمطًا من أنماط التراث الثقافي المنقول، التي عبّر من خلالها الصائغ المحلي عن مجموعة من القيم الجمالية والفنية، التي صدرت عن وجدان جماعي يبرز قدرة الإنسان على تسخير عناصر الطبيعة لخدمته ولخلق إضافة ثقافية متواصلة".
لقد تطورت الحلي المغربية، عبر مراحل تاريخية، واغتنت بأفكار وتقنيات جديدة بفعل الاحتكاك مع ثقافات وحضارات مختلفة، إذ "عرف معلمو الحلي أمازيغَ وعربًا ويهودًا، على امتداد القرون كيف يتمثلون التأثيرات الأكثر تنوعًا ويؤولونها، مع الحفاظ على هوية فن مغربي أصيل لا يشبه أي فن آخر". تورد الباحثة خديجة بجي.
تشدد نفس الباحثة، في أطروحتها "الحلي في عقود النكاح السوسية، دراسة معجمية إحصائية" (منشورات جامعة ابن زهر بأكادير)، على أن كل ذلك يوضح "تفرُّدَ الحُلي المغربية بسماتها المميزة التي جعلتها تحافظ على خصوصيتها وعلى أصالتها، رغم التأثيرات المختلفة".
رفيقة اللباس التقليدي
ارتبطت المجوهرات والحلي باللباس التقليدي المغربي، إذ تشكل إلى يومنا هذا في المناطق الريفية الأمازيغية مكمّلًا ضروريًّا للألبسة التي تتميّز بها كل منطقة على حدة. وقد كان سكان المغرب في البوادي والمدن يُزينون ملابسهم وينمقونها بالطرز والمشبوكات، ويجملون ذواتهم بالحلي والمجوهرات، ولم يكن تجميل الذات باللباس والحلي مقتصرًا على فئة اجتماعية دون أخرى.
تسجل حنان لبشير، في مقالها "الحلي التقليدية: تراث الأجداد"، أنه "وفقًا للظروف، يجب أن يكون الزي التقليدي مصحوبًا حتمًا بإكسسوارات متنوعة من الرأس إلى القدمين. في الواقع، تزيّن التّاجيات، والمقدمة، والقلادات، والأقراط، وعقود الضفائر الرأس والوجه، وتبرز تسريحة الشعر وترتقي بالنساء إلى مرتبة الملكات".
تقول الباحثة ذاتها: "تزيِّن الصدريات، والقلائد، والقلائد المعلقة، والدبابيس، ودبابيس الحزام، والأحزمة، والإبر الصدرية الصدر. وتزيِّن الأساور والخواتم اليدين والأصابع وتضيف لمساتها وحركاتها، أما بالنسبة للأساور الكاحلية، فتشذب انسيابية القدمين، وتبرز الحضور وتحدد القوام".
الحُلي ورسم الحدود الرمزية
تُسهم الحلي في تغيير الجسد، وتحسن من صورته. لكنها أيضًا مؤشر اجتماعي يُظهر الانتماء إلى مجموعة عرقية أو إلى واحدة من طبقات الجماعة نفسها، ليعكس بذلك "تمييزًا اجتماعيًّا"، بالمعنى الذي قدمه عالم الاجتماع الفرنسي، بيير بورديو؛ إذ تُرسم عبر الحلي حدود رمزية بين الطبقات والهويات داخل المجتمع.
يرى بورديو، في كتابه "التمييز، النقد الاجتماعي للحكم"، أن القيم المادية للأشياء ليست هي التي تمنحها مكانتها في المجتمع، بل الشحنة الرمزية التي يضفيها عليها الفاعلون الاجتماعيون؛ فالأشياء الثقافية مثل الحلي والمجوهرات، "ليست مجرد منتجات جمالية، بل هي أيضًا أدوات للتمايز الاجتماعي. وتختلف أشكالها وموادها وأساليب استهلاكها باختلاف رأس المال الاقتصادي والثقافي للطبقات. فارتداء قطعة مجوهرات معينة يُظهر الانتماء أو المكانة الاجتماعية".
وبذلك، نجد ضمن سياقنا المغربي، أن حلي الذهب غالبا ما ترتبط بالطبقات الحضرية الأرستقراطية في مدن فاس والرباط وتطوان على سبيل المثال (وهي مدن تتميز بطابعها الموريسكي)، بينما تبقى الفضة سائدة بشكل واسع في المجتمعات القروية والجبلية (الريف شمالًا، والأطلس المتوسط في الوسط، ثم منطقة سوس جنوبًا) التي تمثل طابعًا أمازيغيًّا أصيلًا.
تؤكد هذه المعطيات، الباحثة خديجة بجي، في كتابها "الحلي في عقود النكاح السوسية"، بإشارتها إلى أن "الفئات الغنية تكون لها القدرة على اقتناء الحلي المصنوعة من الذهب، بينما تقتصر الفئات الضعيفة على الحلي الفضية أو الفضية المذهبة، أو على الحلي المصنوعة من النحاس المذهب أو المفضّض".
زينة وادخار ليوم الشّدة
الاهتمام الأمازيغي بالفضة، لم يكن تفضيلًا عاديًّا، بل فرضته مجموعة من الظروف الاجتماعية والاقتصادية، إذ كانت الفضة هي المادة السائدة، ومن ثمة يتحدّد اختيارها أولاً من خلال توفرها الواسع في السوق، وسعرها المعقول، وطبيعة صفائحها وسبائكها السهلة العمل.
وتستخرج الفضة من المناجم المختلفة المنتشرة في عدة مناطق من المملكة، ويتم الحصول عليها أيضا من مجوهرات غالبًا ما تكون مستعملة، قديمة الطراز، معروضة للبيع أو مزودة للصائغ لإعادة تدويرها، أو من صهر العملات القديمة.
تلفت الباحثة خديجة بجي، في هذا السياق، إلى أن الحلي بمنطقة سوس تتميز "باعتمادها النقود المغربية القديمة كمادة تزيينيّة.. وهذه القطع النقدية كانت متداولة في حقب تاريخية معيّنة من تاريخ المغرب، وتم تحويلها إلى حلي تتزيّن بها النساء"، وهي العملية التي سماها المؤرخ، عمر أفا، بـ"الاحتلاء".
والتي تُخزّن بها النقود عن طريق تحويل القطع النقدية في حالة الاغتناء واليسر، إلى حلي تتزيّن بها النساء أثناء مواسم الحصاد وحفلات الأعراس صيفًا، ثم تُخزّن بعد ذلك لأفراح أخرى أو ليوم الشدّة، عندما تكون العائلة في ضائقة مالية، خصوصًا حين تشحّ الأمطار أو عندما تُفرض على القبيلة جبايات من المخزن.
تنقل الباحثة بجي، عن كتاب عمر أفا، "مسألة النقود في تاريخ المغرب في القرن 19"، أن الأسر تُخزّن النقود الفضية، باعتبارها حليًّا، "لدى النساء، باعتبار المرأة في هذه القبائل الجزولية (أمازيغية جنوب المغرب) تحظى بالاحترام والتّجِلّة، وهي موصوفة بالعفاف والوقار".
ويبرز المؤرخ الفني الفرنسي، إيفو غارميت، في كتابه "الحلي في جنوب المغرب"، أن المجوهرات والحلي ظلت "ملكًا للمرأة وضمنت لها الأمان المادي، حتى في حالة الطلاق. وكانت المجوهرات تُثري هذا الإرث الأولي على مر السنين، حسب ما يسمح به الوضع الاقتصادي للعائلة".
ذكر غارميت في الكتاب ذاته، أنه "في سنوات الوفرة، كانت العائلات قادرة على تخزين وشراء مجوهرات.. من صائغي المجوهرات المتجولين في الأسواق. كانت هذه المواد تُباع في السوق بسعر ثابت ومعروف للجميع، مما مثّل قيمة آمنة وقابلة للتفاوض بسهولة في جميع الأوقات".
الحلي ذاكرة جماعية
لحلي الفضة تأويلات رمزية أخرى، خصوصًا أن هذا المعدن يشكل رمزًا للبساطة والتواضع والأناقة والجمال، حتى أضحت الفضة ضمن الذاكرة المشتركة للأمازيغ في المغرب، إذ كان هؤلاء يتبركون بـ"الخميسة" الفضية، وهي على شكل كف مفتوحة تُعلق للمرأة المتزوجة حديثًا وللمولود الجديد للتفاؤل، كما أنها تلصق بباب البيت درءًا للعين الشريرة.
كما أن الأمازيغ يفضلون الفضة، لاعتقادهم بأنها ترمز إلى الصفاء، ويرمز بياضها الناصع ونقاؤها إلى الخير والحب والسلم والأمان، لذلك يُرصّع جسد المرأة الأمازيغية بحلي الفضة من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها.
وتسجل الباحثة حنان لبشير، أن موضوع حلي الفضة "مرتبط ارتباطًا وثيقًا بطقوس العبور التي تميز حياتنا، مما يجعلنا نتعلق به بشكل عاطفي"، "وهي بشكل أساسي كائن رمزي ووقائي يتمتع بفضائل وطاقة وقوة استثنائية، تحمي من الشر والأمراض، وتنجو من سوء الحظ، وتعمل على تهيئة التأثيرات الإيجابية وتستدعي القدر الجيد".
هذه الحلي التي تتميز بتعقيداتها، من خلال موادها الأساسية، وتقنيات تنفيذها، وأشكالها ونقوشها وزخرفتها، تعدّ اليوم شكلًا مُزَيَّنًا من اللغة التي تنقل، بقدر ما تستطيع، ثقافتنا المتنوعة وتعبّر عن جوانبها ومعانيها المختلفة.