سألني صديقي خلال حديثنا البسيط: "لماذا لا تسهر السناجب مثل البشر؟"، فقلت له: "ربما لأنها لم تخترع الكهرباء وما زالت تمارس حياتها كما هي في شكلها الأول، تعيش بين الأشجار وتحافظ على علاقتها الطبيعية فتتأثر بشروق الشمس وغيابها، ولم تفعل مثلما فعل الإنسان الذي أفسد ساعته البيولوجية بعد اختراع الإضاءة الصناعية"، ومن باب الاحتياط ختمت كلامي بإضافة كلمة: "ربما!".
منذ أشعل الإنسان ناره كي يُنير ظلام الليل، بدأت تتغيّر علاقته الطبيعية مع الزمن. لم يعد الليل وقتًا للسكينة والنوم كما كان في الماضي، حين كانت الحياة تسير بحضور الشمس. وأخذ هذا التغيير شكله الكامل حين اخترعنا المصباح، وصار السهر جزءًا من نمط الحياة، بوصفه عادة فرضتها الحضارة، وسلوكًا يعكس انسحاب الإنسان من حاجاته القديمة، بما في ذلك النعاس.
لم يعد الليل استراحة، بل امتدادًا للنهار، يواصل فيه البشر قلقهم وإنتاجهم واستهلاكهم دون توقف.
يُعرّف السّهر بأنه انزياح في وقت النوم إلى ساعات متأخرة من الليل، وهو من العادات التي يتبعها الكثيرون وتعد نمطًا بشريًا، فتجد من يصف نفسه بأنه كائن ليليّ، لكنه من الممكن أن يحدث أيضًا بشكلٍ قهريّ لأسباب مرضية.
يؤدي السهر إلى خلل في إيقاع الساعة البيولوجية للجسم المبرمج، أساسًا، على اليقظة خلال النهار والنوم ليلًا، وأيّ اضطراب في ذلك الترتيب يعني وجود اضطراب في إنتاج الميلاتونين (هرمون في الجسم يساعد على تنظيم النوم ويتأثّر إنتاجه بأشعة الشمس). فعندما يتعرض الكائن للضوء، تكون مستويات الميلاتونين منخفضة، لكن عندما يتناقص الضوء كما في المساء، يزيد في الجسم مما يؤدي إلى النوم.
تنام الحيوانات في أوقات مختلفة من اليوم، مثل البشر، أكثرها نهارية ومنها ما ينشط ليلًا، وهناك ما تسمى بالكائنات الشفقية التي تنشط عند شروق الشمس أو غروبها، لكن ذلك كلّه يحدث في إطار ما هندست عليه في أجسادها ومع الكون.
تفترض الهندسة البيولوجية للطبيعة أن غياب الشمس إشارة فسيولوجية لبدء العتمة، حيث يُحفَّز هرمون الميلاتونين، إيذانًا بانسحاب الجسد إلى راحته الليلية. لكن الليل ليس مجرد فراغ بصري يُغلق فيه النهار عينيه، بل هو نظام كوني معقّد، يحمل في طياته معنى ودورًا أعمق.
يعكس القمر الضوء على الأرض لا ليبدّد الظلمة فحسب، بل ليمنح الليل شخصيته الخاصة، المصقولة بضياء خافت يعيد ترتيب الإحساس بالزمن والمكان. ترافقه في ذلك النجوم، التي شكّلت للإنسان خرائط عليا، لا تهديه إلى الطرق فحسب، بل تهديه إلى نفسه أيضًا، إلى التأمل والشعر والسؤال.
بهذا المعنى، لم يكن الليل زمنًا بيولوجيًا للنوم فحسب، بل زمنًا رمزيًا لكشف المعاني. ولذلك ارتبط بالشعراء، لا كمجرد خلفية زمنية، بل كبنية داخلية للوجدان. قال المتنبي: "الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني"، وجعل الليل شاهدًا على وجوده المضيء في العتمة. وبشار بن برد كان يعرف ليله بالقصر لا بالطول، لأن السهر نفسه يصير تجربة زمنية ممتدة تُقاس بنبض العاطفة، لا بساعات الساعة. وأما عمر الخيام فأدان النوم نفسه قائلًا: "فما أطال النومُ عمرًا، ولا قصّر في الأعمارِ طولُ السهر".
لا يبدو السهر، في هذا الامتداد الشعري، عطبًا بيولوجيًا بقدر ما هو مكاشفة مستمرة بين الإنسان وظلاله. ولعل علاقة الإنسان بالليل، بكل ما فيها من حالا من الأرق والشجن والانتظار.. هي شكل متجدد من معاناته الوجودية، التي تتلوّن حسب طباعه وثقافته، لكنها تظل حاضرة في عمق تعبيره عن نفسه، كأن الليل مرآته، أو مسرحه، أو حتى حليفه في صراعه مع المعنى. هكذا بقي الليل، عبر العصور، فصلًا خافتًا في كتاب الحياة، يُقرأ على ضوء نجمة أو تنهيدة.
قديمًا، كانت النار تمنح الضوء للمساء عبر المشاعل ومصابيح الزيت والشموع، وظلّت لقرون طويلة ترافق الإنسان في ليله، لكنّها على أهميتها كانت تعطي إضاءة ضعيفة ومحدودة المدى. وظلّ ذلك الحال في المنازل والمدن والقرى حتى ابتكر الأمريكي توماس أديسون المصباح الضوئي في العام 1879، حيث صار يمكن لليل أن يستقبل أضواءً ساطعة، وتغيّرت معادلة الإضاءة الليليّة مع كلّ ابتكار وتطوير لقوّة المصابيح، التي صارت تصل إلى مسافات أبعد، وتغطّي مساحات بحجم ملاعب كرة قدم، وفوق كل ذلك ابتكرت القنابل الضوئية التي تبدو مثل علامات للتائهين في البحر وبين الجبال أو كواشف في مناطق الحروب.
كان تركيز الإنسان القديم يدور حول ما تراه عينه المجردة في السماء، خصوصًا في الليالي الصافية، وقد بنيت الكثير من الأساطير ونسجت القصص الخيالية وأطلقت الأسماء والصفات النفسية، وصولًا إلى الاعتقاد بوجود تأثير لتلك النجوم والكواكب على طباع البشر ومستقبلهم، فظهر بذلك ما عرف بعلم التنجيم. ويمكننا القول إن المهتمين بالسماء هم الساهرون الأوائل، وإن كنا لا نعرف الأسماء فالسومريون هم من أول الشعوب التي طورت المشاهدة والتأمل إلى رصد، ولم يكتفوا بتأليف القصص. فقد قاموا بتقسيم السماء إلى اثني عشر قسمًا أو دائرة متساوية على مدار السنة، أسموها بروجًا، ومنحوها الأسماء التي ما زالت متداولة إلى يومنا هذا (الحمل، الثور، القوس... إلخ) وقد أثرتْ المعرفة الفلكية استخدام وحدات القياس المعروفة (اليوم، الشهر، السنة)، وذلك تمّ تثبيته من خلال مراقبة حركات الشمس والقمر والنجوم، وبذلك حدّد الإنسان القديم مواقيت الزراعة والفيضانات، بعد أن ربط مواقع النجوم بالتقلبات الحيوية.
في تلك العصور، كان السهر فعلًا علميًا وشعريًا في آن، وكانت النجوم مرآة للخيال ومفتاحًا للزمن. أما اليوم، فثمّة انقلاب خفيّ إذ لم نعد نحدّق في السماء، بل في شاشات مضيئة تخترق عتمة الليل لتطمس العالم تحت طبقات من الصور، لا لتكشفه.
وكان للعرب دورهم في علم الفلك عبر تفسير مواقع النجوم، التي كانت دليلهم للترحال ليلًا، وقد سموا بعضها بأسمائهم مثل نجم سهيل الشهير، وبلغت البحوث الفلكية قمتها في عهد الخلفاء العباسيين، خاصة بعد ترجمة حنين ابن إسحاق لكتاب "المجسطي" لبطليموس، وهو رسالة بحثية في الفلك والرياضيات ويعتبر أقدم كتاب معروف في الفلك.
مع كل تلك الاكتشافات التي قام بها الإنسان، وبوجود الأقمار الصناعية التي تدور في فضائه في هذا الزمن، إلا أن الكون بقي لغزًا عظيما يحتاج ربما إلى قرون من العمل والبحث، يغذّي ذلك الفضول وكالات فضاء تعمل بميزانيات ضخمة وتتنافس في تحقيق الإنجازات ومنها "ناسا" الأمريكية، "جاكاسا" اليابانية، "آسي" الإيطالية، "سنسا" الصينية و"آسرو" الهندية. وربما لا يشعر الإنسان العادي بشكل مباشر بهذا التنافس المحموم، لكنه يجد نتائجه في نشرات الأخبار عند الاعلان عن اكتشافات جديدة أو في ابتكارات مستحدثة تطوّر حياته الاستهلاكية غالبا.
النوع الثاني من الشاشات التي غيّرت العالم هي الحواسيب، التي ظهرت لأول مرة في العام 1973، وقد استخدمت لإنتاجها تقنية أنابيب أشعة الكاثود وزوّدت بشاشة أحادية اللون. وقام مطوّرو الحواسيب بعدّة نقلات في مستوى الشاشات، حتى وصلوا في العام 1998 إلى شاشة "ال سي دي" الملونة التي بدأت تقدّم إلى الجمهور الواسع بأسعار معقولة.
كانت النقلة المهمة الأخرى في العام 2006، حيث قدّمت أول شاشة تعمل باللمس، وفي 2017 انخفضت أسعار شاشات الحواسيب التي تعمل باللمس أكثر وصارت واسعة الانتشار، وبالتزامن مع تطوير الحواسيب هناك حراك آخر يتعلّق بتطوير الهواتف التي انتقلت من هاتف القرص الثابت حين ابتكر المخترع مارتن كوبر الهاتف المحمول عام 1973، وهو بالمصادفة نفس عام اختراع شاشة التلفاز.
ومع ظهور الإنترنت في مطلع التسعينيات، بدأ دمج الإنترنت مع الهاتف، فظهرت الهواتف الذكية التي أصبحت بمثابة حواسيب صغيرة، ومن هنا تعاظم هوس البشر بالشاشات.
وهنا أنزل الإنسان عينه من السماء إلى شاشة بحجم كفّ يده. وبمرور الوقت، استبدل التأمل باستهلاك ما توفّره تلك الشاشات على اختلاف أحجامها من أفكار تبثّ عبر أفلام ومسلسلات وأخبار وبرامج وإعلانات.. تحمل أفكار وعادات ومعتقدات الآخرين وتبثّ على مدار الساعة، يجدها بسهولة بمجرد استخدام محركات البحث، ويتعامل معها كمصدر موثوق للمعرفة، رغم أنها لا تمنحه سوى نسخٍ معلبة من التسلية أو المعلومة، يستهلكها طوعًا، في سلوك إدماني يقتل فيه الوقت، ويقتل معه ذلك الصمت الداخلي الذي كان يومًا ما، بابًا إلى المعنى.
يفتح هذا التحوّل سؤالًا جوهريًا: هل يُغني التطوّر الحضاري الروح الإنسانية أم يُفقرها؟ فبينما تُقدَّم الشاشات كنافذة على العالم، تبدو في الواقع وكأنها تغلق نوافذ الخيال، وتُخدّر مناطق الحركة والتفاعل الحيّ. هكذا استُبدلت الأمسيات الثقافية، واللقاءات الحيّة، والعروض المسرحية والسينمائية التي كانت تجمع البشر حول الفنّ، باشتراكات في منصّات مثل "نتفليكس" و"آبل تي في"، تُبَثّ فيها الحكايات دون عناء، وتُستهلَك دون تفاعل.
وحتى اللقاءات الشخصية، بما تحمله من أبعاد جسدية وعاطفية كاملة، استُبدلت باتصالات مصغّرة عبر الإنترنت. في حين ابتلعت اليافعين موجات التريندات، من تقليد الرقصات إلى محاكاة المقاطع الصوتية. وبينما تُنتج المنصات مقاطع قصيرة تُسمّى "ريلز"، وبثوثًا طويلة بلا انقطاع، تُحوَّل فيها ساعات الليل إلى عمل مستحدث، قائم على البقاء في البثّ لتحقيق الأرباح. وكأن الإنسان الحديث، وقد نزل عن المسرح، قرّر أن يكتفي بدور المتفرّج حتى على نفسه.
في الأزمنة السحيقة، لطالما سهر الكهنة والمنجمون تحت قباب السماء يراقبون النجوم بحثًا عن إشارات تُفسّر المجهول، تمامًا كما يسهر كثيرون اليوم أمام شاشات الهواتف، يراقبون الأبراج أو ينتظرون بثًا مباشرًا يَعِدهم بالإجابات. تغيّرت الأدوات، لكن بقي الليل زمنًا للتساؤل، وللخوف أيضًا مما لا نعرف.
والآن حين لم يعد هناك أحد يحدّق في السماء ليعرف الوقت، تحوّل الزمن نفسه إلى رقم ساطع في زاوية الشاشة. وبات من السهل جدًا أن نعرف الساعة قبل أن يرتدّ طرفنا، لكنّ الأصعب هو أن تقدّر قيمة هذا الوقت. تنام الكائنات وتصحو بحسب هندستها القديمة، إلا الإنسان فقد عبث في ساعته البيولوجية، وأعاد برمجة إيقاعه الداخلي بما صنعه من أدوات، فإذا بتلك الأدوات تتهدد توازنه النفسي والعقلي. بات الضوء الأزرق يفسد النوم، وصار يُشخّص ما يسمى بـ"عفن الدماغ الرقمي"، أي التدهور في التركيز والانتباه نتيجة الإدمان على المقاطع القصيرة.
لقد وقع كثيرون في علاقات صداقة، وربما حبّ، مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتحوّلت الشاشات إلى رفاق دائمين، تضخّ محتوى لا يتوقّف، وتخترق عزلتنا بنورٍ مزيّف. يحدث نوع من التنكّر لغريزة النوم. كثيرون لا يتركون هواتفهم حتى مع اقتراب النعاس. ينامون فجأة، كمن يغيب عن الوعي، ثم يستيقظون منهكين. ويتكرّر هذا السلوك كنوع من الوسواس القهري، مما يهدّد فعليًا الإنتاجية في العمل، والانتباه في المدرسة، بل واستقرار الجهاز العصبي ذاته.
ما كان في الزمن القديم دافعًا ومحرضًا لاكتشاف الأسرار، صار اليوم سببًا في التيه. كان السهر سلوكًا معرفيًا، وأما الآن فبات استهلاكًا للبصر يعطّل البصيرة. ما عاد الليل زمنًا للحلم، بل حقلًا ضوئيًا يتوه فيه الإنسان الحديث. تفاقم التلوّث الضوئي، وتؤكد دراسات فلكية أن أكثر من 80% من البشر لا يرون مجرّة درب التبّانة. المدن أطفأت السماء. الضوء الاصطناعي أبعدنا عن النجوم، وقطع صلتنا بالمجهول.
في الماضي، كانت هندسة البيوت تسمح للنور بالدخول، وتمنح سكانها صلة بالسماء من الفناء أو السطح. وكان الغروب إيذانًا بانتهاء اليوم، كما كانت العتمة نداءً للنوم، كما يحدث لمعظم الكائنات الحيّة. لكن الإنسان الحديث قلب هذا الإيقاع حين سدّ نوافذه، ورفع جدرانه، وأغرق ليله بمصابيح لا تنطفئ. لم يعد الليل مظلمًا بما يكفي، ولا صامتًا كما يجب، فاختلّ توازنه الداخلي، وتشوّشت ساعته البيولوجية. ومع الوقت، لم يعد ينام كما يلزم. بل بات يسهر طويلًا، ويشعر بالإرهاق في الصباح، لأنّ ليله لم يعد ليلًا حقيقيًا.
أخرجنا الليل من عالمنا. طُردَناه كما تُطرد عادة قديمة، وطُردت معه القدرة على النوم بعمق، على الشفاء الصامت، على الانزلاق إلى ذلك الجزء الآخر من الحياة الذي لا نعيشه ونحن مستيقظين، بل نحياه ونحن نحلم. وصار نهارنا طويلًا بلا انقطاع، لا يتوقف إلا إذا أغمى علينا من فرط التحديق على موبايله. تحوّلنا إلى مخلوقات تُطعِم أدمغتها بالضوء الاصطناعي، وتحرم أجسادها من ظلام الليل الذي تحتاجه كي تُصلِح نفسها.
والأخطر من كل ما سبق أننا لم نعد نعلم أننا بحاجة إلى النوم إذن نظنّ أننا نتحكم في الزمن، في حين أننا نُسرّع انهيارنا، لأن الجسد الذي لا ينام لا يمكن أن يُشفى. والعقل الذي لا يحلم لا يمكن يتذكّر.
لا شكّ أن حضارةً تطرد الليل ستطرد معه البوصلة التي تُرشد الإنسان إلى ذاته.