ultracheck
سيرة القس نصير والحكاية الشعبية القبطية (ميغازين).

الإسكندرية المهمّشة والقاهرة المتخيَّلة.. في الحكاية الشعبية القبطية

10 أغسطس 2025

في عوالم الحكايات الشعبية، يختلط الخيال بالواقع، وتتشابك الأسطورة مع التاريخ، لكن قليلًا ما نُحسن الاستماع إلى الأصوات التي تخرج من الزوايا المظلمة للذاكرة الشعبية. "سيرة القس نصير وابنه مرقس"* واحدة من هذه النصوص التي تهيم في فضاء الفولكلور القبطي، وتستحق أن تُستعاد وتُقرأ لا كمادة طقسية فقط، بل كوثيقة اجتماعية تُسجل التوترات بين الأجيال، وتتصارع فيها الهويات، ويدور فيها صراع دائم بين الحنين للتقاليد وواقع الانفتاح على الجديد.

إنها ليست مجرد حكاية عن الأب وابنه، بل هي مرآة لواقع اجتماعي وديني معقد في زمن واجهَ فيه المجتمع القبطي تحديات الحداثة والأوبئة والسيطرة العثمانية. ففي حين تنشأ سيرة القس نصير وابنه مرقس في ظل الإسكندرية المزدحمة والمهمشة، تنسج طيف القاهرة المتخيلة في قلب النص، بوصفها مركزًا للسلطة الروحية ومختبرًا للهوية القبطية. تتردد الإشارة إلى القاهرة مرارًا في النص، لتكون مرجعية للسلطة الروحية والمواقف الدينية، وتتمثل في الحكاية بوصفها فضاءً مقدسًا يختبر فيه الأفراد هويتهم وإيمانهم. وبذلك، تتحول القاهرة إلى أكثر من مجرد مدينة جغرافية، بل إلى بُعد حضاري وأخلاقي له وقع كبير في الذاكرة الجماعية.

من خلال هذه السيرة، يفتح لنا النص نافذة لفهم طبيعة التفاعل بين الديني والشعبي، بين العقيدة والحكمة اليومية. هذه السيرة تتجاوز أن تكون مجرد سردية عن أسرة، لتتحول إلى نقطة التقاء لعدة تيارات ثقافية، دينية واجتماعية، تنسج ملامح لحظة مفصلية في تاريخ المجتمع القبطي في القرن الثامن عشر، حيث يتشابك الجدال حول الهوية في ظل فوضى التغيرات الاجتماعية والسياسية.

تدور السيرة حول صراع درامي محوري بين الأب، القس نصير، الذي يمثل الحكمة الكنسية التقليدية، والابن مرقس، الذي يجسد نزعة التمرّد والانفتاح على قيم مغايرة. ينشأ هذا الصراع في أسرة قبطية تقيم في حي شعبي بالإسكندرية، في وقت اجتاح فيه وباء الطاعون المدينة في عام 1792. هذه الخلفية الزمانية والمكانية تضفي طابعًا وجوديًا على النص، يعكس مواقف الجماعة القبطية في مواجهة الموت والتحولات التي مروا بها. لكن مرقس، الابن الشاب، لا يظل محصورًا في الإسكندرية، بل يُرسل إلى القاهرة كفضاء خلاص، حيث يتحول المكان إلى ساحة لاختبار الهوية.

وما يجعل السيرة أشد تشابكًا هو البنية التبادلية بين الأب والابن، حيث يروي القس نصير لابنه تسع عشرة حكاية متنوعة بين مواعظ رمزية وتأملات أخلاقية، في حين يرد الابن عليها بتشكك قبل أن يشارك بدوره في سرد الأحداث من زاويته. هذه المناظرة الرمزية بين جيلين تعكس تحولات الذات القبطية بين التقاليد الزهدية والمستجدات الحديثة، بين الدين والحياة اليومية.

وفي السيرة، يظهر طيف الآخر الأوروبي، أو "الخواجة"، كرمز للحداثة والقيم الجديدة التي تهدد النظام التقليدي. وتصبح حكاية الراهب قرياقوص، الذي قرر الزواج تقليدًا للخواجات، رمزًا لانهيار المعايير النسكية في مواجهة ما تحمله الحداثة من قيم جديدة. وبذلك، تبرز السيرة بوصفها نصًّا ثقافيًا يرصع بين طياته الحدود التي يرسمها المجتمع القبطي ضد التغيرات القادمة من الغرب.

تمتاز السيرة بلغتها الهجينة التي تمزج بين العربية الفصحى والعامية السكندرية والقاهرية، وبين بقايا من "العربية الوسطى" التي كانت تُستخدم في المخطوطات القبطية العثمانية. ويعتمد أسلوبها على الوعظ القصصي الشفاهي الذي يتجنب السلطوية ويفضّل الحوار والمجاز. من خلال هذه الطريقة، تتداخل تقاليد السيرة الشعبية الكبرى مع واقع قبطي خاص يتسم بالرفض والتوجس.

تقدم السيرة، من منظور داخلي، تاريخًا اجتماعيًا من أسفل، حيث تظهر أسماء الشوارع، المهن، المأكولات، وعلاقات الجوار بين سكان الحارات، وهو ما يجعلها وثيقة فولكلورية–لاهوتية نادرة. إنها تمثل صوت الجماعة القبطية الشعبية في لحظة هشّة من تاريخها المديني، الممتد بين الإسكندرية المتوترة والقاهرة المتخيلة.

"خطّ الموسكي": حين تتكلم القاهرة الشعبية في السيرة

في ثنايا سيرة القس نصير وابنه مرقس، يبرز مشهد فريد تتجلى فيه القاهرة الشعبية لا كرمز روحي فقط، بل كمسرح اجتماعي حي، عبر شخصية يوحنا الأعرج، ذلك البطل الشعبي القادم من خطّ الموسكي. والموسكي هنا ليس مجرد حي قاهري عتيق، بل يمثل قلب المدينة النابض، حيث تلتقي السلطة الروحية بالمعاش اليومي، وتتقاطع تقاليد الزهد مع غواية اللحم والخمر، وتتجسد التحولات الطبقية والدينية في صورة رجل مريض يتأرجح بين العافية والفتنة.

إن استدعاء خط الموسكي بهذا الوضوح والاسم الدقيق، يضفي بعدًا مكانيًّا حيويًّا يعكس إدراك مؤلف السيرة – أو ناقلها الشعبي – للتفاوت الطبقي والديني داخل النسيج المديني. فالموسكي، في المخيلة الشعبية، كان رمزًا للقاهرة الصاخبة التي لا تنام: ملاذًا للفقراء، وسوقًا مفتوحة، وحاضنةً للتنوع الديني واللغوي والجنسي. ومن خلال يوحنا ابن الموسكي، الذي "يهزم مائة رجل وحده" ثم يسقط بفعل المرض والصوم، تصوغ الحكاية مفارقة صارخة بين الجسد المستقوي بالغذاء والشراب، والجسد المنهك بالتقشف و"أكل العشبة".

هنا يتحول خط الموسكي إلى مرآة للموقف الشعبي القبطي من قضايا الصوم والجسد والعلاج، حيث تنقلب المواعظ رأسًا على عقب، وتُسفّه الممارسات الزاهدة لصالح منطق العافية والمتعة والكرم. وهو منطق "قاهري" بامتياز، لا يهادن في الدفاع عن حق الجسد في اللحم والخمر، ويقيم "لاهوتًا شعبيًّا" بديلًا عن خطاب الكنيسة الرسمي، قوامه الحكمة اليومية لا المواعظ المجردة، والشاهد فيه هو الواقع لا النص.

إن هذا الصوت القاهري الساخر الذي يسخر من "العشبة ومن زرعها"، ويقارن بين "الفرنجة النيرين" و"القبط المرضى"، هو في جوهره احتجاج شعبي على تقشف الطبقات الكهنوتية، وتمرد ضمني على العنف الرمزي الذي تمارسه خطابات الزهد على الأجساد المهمشة. وبينما يبدو يوحنا الأعرج شخصية هامشية داخل السرد، فإن صوته – ومعه صوت جماعته – يمثّل لحظة مقاومة سردية، تفتح في قلب النص الديني فجوة للحوار، والتشكيك، وربما لإعادة كتابة المعنى ذاته.

القاهرة كرمز للانحراف: حين تتكلم الإسكندرية

في خلفية سيرة القس نصير وابنه مرقس، لا تُرسم الإسكندرية بوصفها مجرد مسرحٍ للأحداث، بل تُبنى كمدينة مقاومة، تحتفظ بطهارتها الروحية في وجه التفكك الاجتماعي والانهيار الأخلاقي. وعلى النقيض، تبرز القاهرة في السيرة لا بوصفها مركز الحكم أو المعرفة، بل كرمزٍ للتسيب والانحراف والفساد الطقسي. هذا التقابل – غير المباشر لكنه صارخ – يتجلى في خطاب الأب، الذي يحذّر ابنه من السفر إلى أهل الشر، حيث تذوب الحدود بين الحق والانفلات.

إن القاهرة، في مخيال النص، لم تعد فقط جغرافيا مقابِلة، بل صارت استعارة ثقافية للمسخ والتبدل والانفلات من سلطة المرجع، سواء كان ذلك المرجع هو الكنيسة، أو الحكمة، أو الأخلاق الجماعية. إنها تمثل، على نحو مضمر، صورة المدينة التي تفقد قدسيتها، وتغوي أبناءها بالانفلات من طقوس الجماعة.

وهكذا، تتكلم الإسكندرية في السيرة لا بصفتها مكانًا، بل كصوتٍ جماعي، محمّلٍ بالقلق من المركز، مشبعٍ بالحذر من المدينة الأكبر التي باتت، في الوعي الشعبي السكندري، مدينةً غريبة، تُهدّد الهوية المحلية وتبشّر بانفصال الأبناء عن تراثهم. ويصبح هذا التوتر بين المدينتين تعبيرًا عن صراعٍ أعمق: بين الجماعة المحلية والجاذبية القاهرة لثقافة الانفلات، بين الحكي الواعي والضجيج المتحلل، بين صوت الحكمة وصدى الانحراف.

  سرديات في وجه الوباء والخوف

في خلفية هذه السيرة، يحضر الطاعون كأحد الأحداث الكبرى التي زلزلت وجدان الجماعة القبطية في الإسكندرية. كتب النص عام 1792، في ذروة الوباء الذي أودى بآلاف الأرواح، بحسب تاريخ الجبرتي ومصادر أخرى. وفي مواجهة هذا الموت الجماعي، تقترح السيرة الحكي بوصفه ملاذًا، والتدين الشعبي بوصفه قوة تماسك.

يبدو القس نصير وكأنه يحاول، عبر سرد الحكايات، أن يمنح ابنه والجماعة من ورائه  درعًا من الحكمة لمواجهة الخطر. وهكذا تتحول السيرة إلى طقس روحي اجتماعي، يحصّن الأقباط من الانهيار، ويعيد ربطهم بالكنيسة بوصفها مأوى ليس فقط عقائديًّا، بل وجوديًّا.

  ضد الخواجة: الحكاية كسلاح رمزي

يتكرر في السيرة حضور الآخر الأوروبي أو الخواجة، لا بوصفه مجرد شخص غريب عن النسيج المحلي، بل كرمز كثيف لمعانٍ ثقافية مغايرة وقيم اجتماعية متفلتة من قبضة المرجع الكنسي والتقليدي. في وعي القس نصير، لا يُنظر إلى الخواجة كجسد غريب أو زائر عابر، بل يُقرأ بوصفه محمولًا على شبكة من المعاني المُهدِّدة: إنه حامل الحداثة، والحرية الفردية، والانفلات من القيود الطقسية، والتسيّب الأخلاقي، وتبني حياة تقوم على اللذة والاستهلاك والمظهر، لا على التقشف والخضوع.

يتجلى هذا الحذر الأنثروبولوجي من الحداثة في حكاية الراهب قرياقوص، وهي واحدة من أبرز الحكايات التي تُقدَّم بوصفها نموذجًا رمزيًّا لانهيار الذات أمام إغواء الغرب. الراهب، الذي عاش حياة نسكية تقشفية، يقرر فجأة أن يتزوج تشبُّهًا بـالخواجات، أي بالأوروبيين الذين انتشروا في الإسكندرية في أواخر القرن الثامن عشر، وتبدلت على أيديهم أنماط اللباس والعمارة والعلاقات. لا يُعرض الزواج هنا بوصفه خطَأً لاهوتيًّا فحسب، بل كمجاز لانكسار داخلي، لتشظّي الهوية، ولانهيار الحدود بين المقدس والدنيوي.

ويُلاحظ أن الاسم قرياقوص (وهو الاسم الصحيح في السيرة المحققة) يحمل في ذاته دلالة تقليدية – يونانية–قبطية، تعزز المفارقة بين الداخل والوافد، بين الاستمرار والانقطاع. إن هذه الحكاية، كما تُروى على لسان القس نصير، ليست فقط أداة وعظ، بل جهاز دفاعي رمزي، يشتغل على إعادة رسم الحدود بين نحن وهُم، بين القبطية المحافظة والخواجية المنفلتة، بين الروحانية والتغريب، بين الجماعة والمتشظي.

وفي هذا السياق، لا يكون الخواجة مجرد شخصية، بل استعارة كبرى للانكشاف والارتياب والتحول. السيرة لا تهاجم الآخر بقدر ما تحاول أن تحصّن الذات في وجهه، أن تبتكر سردًا مضادًّا لسرديته، لا عبر الصدام، بل عبر الحكاية، والحكمة، والتمثيل الرمزي. وهنا تتجلى فلسفة النص: الحكاية ليست وسيلة للتسلية، بل جهاز مناعي سردي، يحرس الجماعة من التفكك والانقراض.

إن قلق الجماعة القبطية في الإسكندرية من النفوذ الأوروبي لم يكن سياسيًّا بالضرورة، بل كان وجوديًّا–ثقافيًّا، مسّ الجذور العميقة للهوية، وفرض على النخبة القبطية المحلية (كالقس نصير) أن تستجيب، لا بمنطق الصراع، بل بمنطق التأويل وإنتاج المعنى: حكايات ضد العدم، وسرديات ضد الانمحاء.

  الوعظ الشعبي بين الطقس والمقاومة

ليست هذه السيرة نصًّا وعظيًّا تقليديًّا بمعناه الهرمي الصارم، حيث يتحدث الكاهن من فوق المنبر لجمهور صامت متلقٍ، بل هي أقرب إلى وعظ جماعي متبادل، ينبني على مشاركة وجدانية وحوارية، وينهل من الذاكرة الشعبية ومن الحكمة الجمعية لجماعة عانت من التهميش والقلق الوجودي. إنّ وعظ القس نصير في السيرة لا يقوم على الإملاء، بل على المحاورة، وعلى تمثيل الصراع داخل النص، بين الأب والابن، بين السلوك والانحراف، بين الموروث والمُستجدّ.

يمتاز هذا الوعظ الشعبي ببنيته السردية المرنة التي توظف الحكاية والجدل والمثل والسجع لا بوصفها أدوات بلاغية فحسب، بل بوصفها أنساقًا فلسفية تؤسس لمعنى الجماعة وتعيد بناء منظومتها الرمزية. إن تكرار الحكايات في السيرة ليس تكرارًا بلاغيًّا، بل شكل من أشكال الاجترار الرمزي الذي يُعيد تمكين المعنى، ويؤسس لذاكرة جماعية مقاوِمة، تُقابِل السرديات الكبرى التي تفرضها الكنيسة أو السلطة أو الحداثة الغربية.

أما اللغة، فهي ليست مجرد وسيط، بل فضاء دلالي متشظٍّ، يجمع بين العامية السكندرية والنبرة المصرية وملامح اللغة الطقسية. وهذا التعدد اللغوي يعكس ما يسميه ميخائيل باختين بـتعدد الأصوات (Polyphony) ، حيث لا صوت واحد يفرض سلطته، بل يتجاور الصوت الأبوي مع الصوت الشاب، واللاهوتي مع الشعبي، والحكيم مع الساخر.

يمتلك النص بذلك القدرة النادرة على مخاطبة العامة بلغة تشبههم، وبمنطق يخصهم، دون أن يفقد صرامته الأخلاقية أو عمقه الروحي. وهذه الثنائية – بين القرب من الجماعة والحفاظ على الهيبة – هي ما يمنح السيرة طابعها السحري: نص لا يبتعد عن الناس ولا ينحدر إلى التبسيط، بل يخلق مجالًا ثالثًا، هو مجال الحكمة الشعبية اللاهوتية.

وهذه القدرة على مخاطبة الكل – المثقف والعامي، المؤمن والمرتاب – هي ما يجعل هذا النص يقترب من تقاليد السيرة الشعبية الكبرى كعنترة أو سيرة الظاهر بيبرس، لا من حيث الموضوع، بل من حيث الوظيفة: أي كأداة لبناء المعنى، وترسيخ الهوية، وتحصين الجماعة، لكن داخل السياق القبطي، وبأدواته الخاصة، وذاكرته المتوترة، ولغته الهجينة المفعمة بالحياة.

  من الوثيقة إلى الحكاية: التاريخ من أسفل

تكشف هذه السيرة عن شبكة من التفاصيل الصغيرة التي لا نجدها في كتب التاريخ الكبرى: أسماء العملات، أنواع الأطعمة، طقوس الاعتراف، عادات التسمية، أسماء الشوارع، مهن السكان، العلاقات بين القاهرة والإسكندرية. إنها تقدم تاريخًا موازيًا، لا من منظور الدولة أو السلطة أو الكنيسة العليا، بل من داخل البيت، والكنيسة المحلية، والحارة.

بهذا المعنى، تشكل السيرة وثيقة مثالية لكتابة تاريخ من أسفل، حيث يُصبح صوت المهمشين  من قساوسة الأحياء، والأمهات المصليات، والرجال البسطاء  مادة تاريخية شرعية، تستحق أن تُدرس وتُقرأ وتُحكى.

  إعادة الاعتبار للصوت القبطي الشعبي

في وقت تتجه فيه معظم دراسات التاريخ القبطي إلى المخطوطات اللاهوتية الكبرى، والنقوش الأثرية، وإلى تتبع المسارات الكبرى للكنيسة من خلال البطريركيات والمجامع والمراسيم، تغيب سرديات الناس العاديين، الذين شكّلوا في صمتهم المتراكم تاريخًا موازيًا، وذاكرةً حية. وفي هذا السياق، تبدو سيرة القس نصير وابنه مرقس أشبه بنداء خافت ينبثق من الهامش، لا يطلب فقط إعادة الاعتبار للأدب الشعبي القبطي، بل يدعو إلى إعادة تخطيط مجال الكتابة التاريخية برمّته.

فهذا النص، المنسي أو المُهمل، لا يحمل فقط أسئلة الجماعة القبطية حول الإيمان والانتماء، بل يُفصح عن أنماط مقاومتها الرمزية، وحكاياتها اليومية، وطريقتها الخاصة في إعادة إنتاج المعنى في زمن التفكك والانكشاف. وهو بذلك لا يقدّم وثيقة أدبية فحسب، بل يعرض ما يسميه ميشيل دوسرتو إستراتيجيات الحياة اليومية، أي تلك الطرائق التي يصوغ بها الأفراد العاديون ذواتهم في مواجهة الأنظمة الكبرى، سواء كانت دينية أو استعمارية أو وبائية.

ليس القس نصير بطريركًا ولا لاهوتيًّا مرجعيًا، بل هو في جوهره راوٍ شعبي، حكيم، يكتب من موقع الوعي المجروح، والموقف الحياتي، ويجسّد من خلال حكاياته توتر الجماعة القبطية بين قِيَمها الموروثة وتحديات زمنها المتغير. لقد جمع بين الحكمة والتجربة والوعي السردي، وصاغ من ذاته ومن ذاكرة جماعته نصًّا يُشبههم، يحكيهم، ويحفظهم من الاندثار.

ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار لهذه السيرة لا تمثل عملاً تراثيًّا أو فولكلوريًّا فحسب، بل هي فعل مقاومة إبستمولوجي، يستعيد سلطة الجماعة المهمشة على خطابها، ويدخلها إلى قلب النقاش المعرفي حول من يملك حق كتابة التاريخ، ومن يُعدّ مصدرًا مشروعًا للمعرفة، ومن يُصغى إليه. إنها، باختصار، كتابة من القاع، تصعد بالتدريج لتعيد التوازن إلى رأس الهرم.

حين تصبح الحكاية وثيقة

في سيرة القس نصير وابنه مرقس، نرى كيف يتحول الحكي إلى أرشيف، والوعظ إلى مقاومة، والهوية إلى حوار. إنها ليست مجرد حكاية دينية داخلية تخص طائفة بعينها، بل هي وثيقة سردية تسلط الضوء على بعدٍ مهمَل في الذاكرة المصرية: أن للأقباط، مثلهم مثل سائر مكونات المجتمع، أدبًا شعبيًّا خاصًّا، وفولكلورًا يعكس رؤيتهم للعالم، وقلقهم الوجودي، ونمط مقاومتهم الرمزي للاضمحلال والنسيان.

تفتح هذه السيرة بابًا لإعادة النظر في تصورنا عن الفولكلور المصري، الذي طالما اختُزل في مظاهر فنية وعادات مرتبطة بالمسلمين وحدهم، متناسيًا دور الأقباط كجزء أساسي من النسيج الاجتماعي لهذا البلد. لقد راكم الأقباط طبقات من الذاكرة الشعبية التي تستحق أن يُنصت إليها بجدّية. إنهم ليسوا فقط موضوعًا للبحث الطقسي أو العقائدي، بل هم منتجون لنصوص سردية شفهية ومكتوبة تتقاطع فيها الحكمة اليومية باللاهوت الشعبي، ويجتمع فيها النص المقدس مع حكمة الشارع والمثل الشعبي.

هي سيرة أبٍ وولد، نعم، لكنها أيضًا سيرة مدينة تتكلم بلسان أهلها، وسيرة جماعة تصوغ وجودها عبر الحكي، وسيرة لحظة تاريخية تصارع فيها جماعة هامشية ضد الغياب. إنها صوتٌ خرج من الهامش، لا ليستجدي الاعتراف، بل ليعيد ترتيب مركز السرد، ويذكّرنا بأن التاريخ لا يُكتب فقط من فوق، بل من الحارة، من الكنيسة، من قلب الحكاية، ومن أعماق الذات الجمعية التي تصر على أن تبقى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* صدرت سيرة القس نصير وابنه مرقس مؤخرًا عن دار بريل للنشر (Brill) ضمن سلسلة الحضارة العربية والإسلامية (المجلد 10)، تحت عنوان:

A Coptic Popular Tale in Ottoman Egypt: The Sīrah of the Coptic Priest Nuṣayr al-Iskandrānī and His Son Murqus

من تحقيق عمرو عبد العزيز منير بمشاركة عمرو رياض والقس بيجول عبد الله، وهي تمثل أول تحقيق علمي موسع لنص شعبي قبطي مكتوب بالعربية في العصر العثماني.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

فلسطين تُجرّد كرة القدم من حياديتها

في الحقيقة تمثل كرة القدم ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد وربما عصية على الفهم بسهولة، ومعاملتها وفق كليشيهات مُكررة يوقع البحث والباحث في الكثير من المغالطات والأوصاف المغايرة لما هو واقع اللعبة وديناميتها

2

إسرائيل والاغتيالات.. هل من استراتيجية؟

يرجح أن أول عملية اغتيال نفذتها إسرائيل عام 1956، عندما أرسلت الوحدة 154، طردًا متفجرًا وقتلت العقيد مصطفى حافظ، ضابط المخابرات المصري

3

النفط في قبضة الخزانة الأميركية: فنزويلا نموذجًا وإيران احتمالًا

يستعرض المقال آليات السيطرة الأميركية على عائدات النفط عبر القانون والمال، مستعرضًا فنزويلا والعراق وإيران، وكيف تُفرغ السيادة من مضمونها لصالح النفوذ الدولي المعاصر

4

المسير نحو الحياة: فلسطين في أرشيف النسوية السوداء

يستعرض المقال أرشيفات تكشف خلافات داخل "النسوية السوداء" (Black Feminism) حول الصهيونية، من خلال تبيين موقفي اثنتين من أبرز المنتميات إلى هذا التيار، جون جوردان وأودري لورد، بشأن قضية تحرير فلسطين وأشكال ممارسة التضامن

5

تشريع الظلم: القانون الدولي كأداةٍ للاستعمار والهيمنة

ينطلق المقال من أطروحة أنتوني آنغي حول القانون كأداة لترسيخ الهيمنة، ليُظهر امتداد هذا المنطق من الاستعمار الدولي إلى البنى القانونية المعاصرة محليًا وعالميًا، داعيًا لإعادة تعريف وظيفته

اقرأ/ي أيضًا

أغاني جبل العرب

أغاني جبل العرب: ذاكرة السويداء وهويتها في صوت الحاضر

تبدو الأغنية في السويداء اليوم مدخلًا مهمًا لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي يعيشها الجبل، بصفتها مساحة تلتقي فيها الذاكرة والهوية والتاريخ والتكنولوجيا، يتجاور فيها صوت الفارس والمقاتل مع صوت العاشق

مهيب الرفاعي

الرأي العام
الرأي العام

تاريخ الرأي العام: من همس الأساطير إلى الخوارزميات

تاريخ الرأي العام ليس سوى تاريخ الصراع على العقول والمشاعر، فمن همسات فيمي وأوسا في آذان المحاربين، إلى خطباء أثينا، ومنابر الكنيسة و"جرائد البنس الواحد" إلى شاشات الهواتف والخوارزميات الذكية

باسم سليمان

قبضة القراصنة

"قبضة القراصنة".. قصة الأسرى الأميركيين في الجزائر خلال القرن الثامن عشر

خلال العقد التاسع من القرن الثامن عشر، ونتيجة لمعطيات سياسية فرضت نفسها آنذاك، وقعت سفن أميركية في قبضة القراصنة الجزائريين وأُسُرت طواقمها البحرية، فما قصة هؤلاء الأسرى؟

محمد شعبان

تاريخ السلاح

من الحجر إلى الصاروخ الذكي: كيف طوّر الإنسان أدوات القتل؟

مضى الإنسان في حكايته مع السلاح، من حجرٍ في يدٍ مرتعشة، إلى صاروخٍ عابرٍ للقارات، ومن قنبلة يدوية إلى روبوتات قاتلة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومن التجسّس بالأفراد إلى التجسّس الإلكتروني واستخدام الأكواد

هند جودة

تاريخ الجينز

سيرة الجينز: من مناجم كاليفورنيا إلى واجهات الرأسمالية العالمية

تاريخ الجينز ليس مجرد تاريخ قطعة لباس، بل سيرة اجتماعية وثقافية عن العمل والطبقة والتمرد والسلطة والعولمة. إنه حكاية عن الطريقة التي تستطيع بها الرأسمالية أن تبتلع حتى أكثر رموز التمرد شعبية

محمد العربي

المزيد من الكاتب

عمرو منير

كاتب وأكاديمي مصري

من خيال الظل إلى البلوغرز: صوت المهمّشين يصنع وسيطه في كل عصر

نقلت عروض خيال الظل في العصر المملوكي أصوات الجماهير ورسائلهم المشفرة، فكان المُخايل بلوغر عصره

من الطبول إلى الكاميرات: التجريس بين فضاءات الأسواق ومواقع التواصل

عن التجريس وعقوبات التشهير بالمذنبين قديمًا، وأشكالها الحديثة في وسائل التواصل الاجتماعي

مقابر اليونانيين في الزقازيق.. الصوت الأخير للموتى

حين تُجرف المقابر، لا يُهدم جدار من رخام أو عمود كورنثي فحسب، بل يُنتزع فصل كامل من كتاب التاريخ