ultracheck
الألتراس

"الألتراس" العربية.. المدرجات صدى لصوت الشارع

25 نوفمبر 2025

خلال مباريات كرة القدم، وبعيدًا عن المستطيل الأخضر، تُلعب مباريات أخرى لا تقل حماسة في مدرجات المنعرجات (المدرجات خلف المرمى)، أبطالها مجموعات الألتراس؛ الجماهير الأكثر التزامًا وانتماءً لأنديتها، والتي تواصل التشجيع طوال المباراة وترافق فرقها في مختلف التنقلات خلال الموسم.

ولا تقتصر وسائل التعبير لدى الألتراس على الجانب الرياضي، بل تشمل رسائل ذات حمولة اجتماعية وسياسية؛ إذ شارك أفرادها في الاحتجاجات خلال الثورة المصرية، وارتفعت هتافاتهم في مظاهرات واسعة بالمغرب، بينما عبّرت مجموعات تونسية علنًا عن موقفها من ارتباط المال بالكرة الحديثة عبر لافتة: "كرة القدم.. اخترعها الفقراء وسرقها الأغنياء".

وتصادف سنة 2025 الذكرى الثلاثين لبروز هذه الثقافة في العالم العربي. وبمناسبة هذا الحدث، يتناول هذا المقال جذور ثقافة الألتراس، انطلاقًا من نشأتها في إيطاليا، مرورًا بوصولها إلى تونس – مهدها العربي – ثم انتشارها في بقية دول شمال أفريقيا، إلى جانب استعراض أبعادها السياسية وأثر رسائلها الاحتجاجية.

إيطاليا.. المهد الأول لـ"الألتراس"

يرى كريستيان برومبرغر، الباحث الفرنسي في الإثنوغرافيا، أن "نوادي التشجيع بزغت منذ بداية القرن العشرين في إنجلترا، إلى الحد الذي ظهرت معه فيدرالية لهذه النوادي سنة 1913"[1]. لكن من إيطاليا - جنة كرة القدم كما وصفها دييغو مارادونا - برزت مجموعات الألتراس في ستينيات القرن الماضي.

وعلى خلاف ثقافة "الهوليغانز" في بريطانيا، التي ارتبطت بالعنف، و"التورسيدا" في أميركا الجنوبية، جعلت "الألتراس" الإيطالية من مناصرة فرقها هدفًا وحيدًا، مُستحدثةً اللافتات والوشاحات والأعلام كأدوات جديدة للتشجيع وتزيين المدرجات خلف المرمى، التي صارت فضاءها الخاص.

الألتراس

وتعود التسمية إلى الكلمة اللاتينية "ultras"، مع إضافة حرف "S" لتمييزها عن كلمة "ultra" التي تشير إلى المتطرفين سياسيًا. وكان جمهور نادي "سامبدوريا" أول من اعتمد هذا الاسم، إذ ظهرت "الألتراس" للمرة الأولى في الموسم الكروي 1969/1970 تحت اسم "ألترا تيتو كوشياروني" ((Ultrà Tito Cucchiaroni).

ورغم التزامها الابتعاد عن العنف، لم تنفصل روابط التشجيع الإيطالية عن المناخ السياسي المتوتر الذي عرفته البلاد خلال السبعينيات والثمانينيات، فترة الهجمات الإرهابية للألوية الحمراء، إذ تبنت بعض المجموعات توجهات يمينية أو يسارية علنية. وعلى النقيض من ذلك، برزت "الألتراس" في العالم العربي خلال التسعينيات في سياق دفع الروابط منذ البداية إلى الحرص على عدم تبني أي توجه سياسي

لماذا كانت تونس أصل الظاهرة العربية؟

تجمع الآراء على أن انطلاقة "الألتراس" عربيًا كانت من تونس، غير أن هوية المجموعة الأولى ما تزال محل خلاف. فبينما يرى البعض أن مجموعة "أفريكان وينرز"، المشجعة لـ"النادي الإفريقي" والتي ظهرت عام 1995، هي أول مجموعة "ألتراس" في تونس والعالم العربي، ترجّح مصادر أخرى أن مجموعة "المكشخين" المساندة لـ"الترجي الرياضي"، التي برزت سنة 2002، هي أول "ألتراس" رسمي في المنطقة.

ويعتبر الباحث في السياسات الرياضية منصف اليازغي أن القرب الجغرافي لتونس من إيطاليا جعلها مهد ثقافة "الألتراس" عربيًا. ويقول لـ"ميغازين": "الظواهر التي تشهدها كرة القدم تنشأ عادةً من التأثير المتبادل بين الدول أو التلاقح الثقافي بين الحضارات. لذلك، فإن تأثّر تونس بهذه الظاهرة من إيطاليا أمر طبيعي تمامًا، نظرًا للمتابعة الكبيرة التي يحظى بها الدوري الإيطالي (الكالتشيو)".

وبعد ثلاثة عقود على بروز "الألتراس" في تونس، يرى الصحافي الرياضي مجدي السعيدي أن تقييم وجودها إيجابي، بالنظر إلى مساهماتها في نصرة قضايا إنسانية واجتماعية، وإيصال رسائل تُوقظ الضمير العام، ولا سيما ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. ويقول لـ"ميغازين": "ظهرت الألتراس في تونس بهدف تشجيع الفرق وتقديم الدعم لها عبر طقوس ثابتة، أهمها التشجيع طوال المباراة بغض النظر عن النتائج، إضافة إلى التيفوات (الدخلة والكوريغرافيا) التي تعبّر من خلالها عن رسائل محددة".

الألتراس

لكن السعيدي يشير في المقابل إلى أن صورة الألتراس في تونس ليست مثالية بالكامل، إذ يُسجّل بين الحين والآخر لجوء بعض مناصري أندية عريقة - مثل الترجي الرياضي، والنادي الإفريقي، والنجم الساحلي - إلى العنف ضد الأفراد أو في اشتباكات مع عناصر الأمن.

مصر والمغرب والجزائر: البدايات الأولى ورحلة الصعود

شهدت سنة 2005 ظهور "الألتراس" في المغرب، مع بروز مجموعات مثل "الغرين بويز" (الأولاد الخضر) المساندة للرجاء البيضاوي، و"وينرز" (المنتصرون) المساندة للوداد الرياضي، و"ألتراس عسكري" الداعمة للجيش الملكي.

وقد أحدثت هذه المجموعات ثورة في ثقافة التشجيع، من خلال اللوحات الكوريغرافية الإبداعية والأغاني الحماسية، غير أن بعض أحداث العنف شوّهت هذا المشهد، أبرزها مقتل مناصر لـ"الوداد" عام 2012، ومناصرين لـ"الرجاء" سنة 2016، ما دفع السلطات المغربية إلى حظر أنشطة "الألتراس" عام 2016، قبل أن تعود وتسمح بها عام 2018.

أما في مصر، فقد ظهر "الألتراس" سنة 2007 مع مجموعات "ألتراس أهلاوي" المساندة لـ"الأهلي"، و"ألتراس وايت نايتس" المشجعة لـ"الزمالك". ويوضح الصحافي الرياضي المصري محمد الفيومي لـ"ميغازين" أن الاهتمام الشعبي بكرة القدم يعود إلى عشرينيات القرن الماضي، لكن تأخر نشوء "الألتراس" يرتبط بالأوضاع الاقتصادية الصعبة قبل الألفية، والتي جعلت الأولويات مختلفة، إلى أن سهّل انتشار الإنترنت الانفتاح على الثقافات الأوروبية، ومنها ثقافة "الألتراس".

وامتدت موجة "الألتراس" في شمال أفريقيا لتشمل دولًا أخرى، إذ برزت في الجزائر سنة 2007 مع مجموعتي "فيردي ليوني" (مولودية الجزائر)، و"ميغا بويز" (مولودية سعيد). وفي ليبيا، ظهرت هذه الثقافة سنة 2010 مع "ألتراس تيحا بويز" (الاتحاد الليبي) و"ألتراس جزارة" (الأهلي بنغازي).

بين التهمة والواقع: هل "الألتراس" العربي مُسيَّس؟

تلاحق مجموعات "الألتراس" العربية تهمة التسييس، إذ اعتبر البعض الأغاني الاحتجاجية لـ"الألتراس" المغربية بمثابة دليل على اختراقها سياسيًا، كما جرى تأويل "تيفو" جماهير "الرجاء البيضاوي" الذي يحيل إلى رواية جورج أورويل "1984" باعتباره مؤشرًا على تبينها حساسية سياسية، رغم نفي مجموعة "الأولاد الخضر" (الرجاوية) لذلك.

يذهب الباحث منصف اليازغي إلى أن السلطة في المغرب هي التي بادرت إلى تسييس الجماهير، وذلك حين طلبت منها إنجاز "تيفو" للمنتخب المغربي لكرة القدم بمناسبة مباراة في التصفيات الأفريقية عام 2011، قبل أن تبادر "الألتراس" نفسها إلى صياغة رسائل سياسية صريحة، مثل الأغنية الشهيرة "فبلادي ظلموني" لجماهير الرجاء.

الألتراس

وفي كتابه "ثورة جيل ألتراس"، كتب أكرم خميس ما مفاده أن مدرجات الملاعب هي الساحة الوحيدة المتبقية لإخراج الطاقات المكبوتة، وأن الذهاب باتجاهها يعني الذهاب حتمًا إلى "الألتراس"، حيث وجد الشباب فيها أنفسهم وبدأوا معها ومن خلالها كذلك قصة من نوع لم يتخيله أي أحد منهم سابقًا، وذلك خلال محاولته فهم فرضية انتقام السلطات المصرية من "ألتراس" نادي الأهلي بسبب مشاركتها في الثورة المصرية.

وعن تسييس الجماهير المصرية، يوضح محمد الفيومي: "الشباب في روابط الأندية المصرية قدموا أنفسهم من اليوم الأول كأصحاب رسالة، وليسوا مشجعي كرة قدم فقط، وحرصوا على إيصال رسائل سياسية حتى قبل ثورة كانون الثاني/يناير. لقد أعلنوا مشاركتهم في أحداث يناير وما بعدها، وكان لهم دور ثوري وسياسي بارز، لكن الروابط تأثرت بالأحداث السياسية بعد الثورة، حتى جرى حلّ معظمها وتجميدها".

من جهته، يؤكد مجدي السعيدي أن "الألتراس" التونسية غير مسيَّسة حزبيًا، فهي – من وجهة نظره – ضد السلطات والمنظومة الأمنية عمومًا، مما يجعل اختراقها أو تسييسها أمرًا صعبًا، مضيفًا: "لا يمكن تسييس الألتراس التونسية لأنها تلتزم مبادئ صارمة، مثل حل الفصيل بالكامل إن سُرقت اللافتة المعرِّفة به (البانر). وعلى العكس، للألتراس أهداف اجتماعية واضحة، مثل المشاركة في الاحتجاجات، إذ ساندت القضية الفلسطينية بقوة، وأسهمت في الحراك الاجتماعي في تونس، خصوصًا حول قضايا التلوث في مناطق مختلفة".

ثقافة "الألتراس" وسؤال المستقبل

صارت "الألتراس"، بعد ثلاثة عقود على ظهورها، جزءًا من الإرث الرياضي في بلدان شمال أفريقيا. ولهذا السبب، أجمع السعيدي واليازغي على حتمية استمرار هذه الثقافة مستقبلًا في تونس والمغرب، إذ أكد الصحافي مجدي السعيدي أن الأمر يتعلق بثقافة شبابية ستتواصل في تونس، مع دخول عناصر جديدة وانسحاب أخرى.

الألتراس

واعتبر منصف اليازغي أن تطوير ثقافة "الألتراس" في المغرب يتطلب تثمين إنجازاتها الإيجابية – مثل المبادرات الإنسانية خلال جائحة "كوفيد – 19" – والعمل على نقل صورتها من دائرة العنف إلى التشجيع الحضاري، إضافةً إلى بناء الثقة بين السلطة ومجموعات "الألتراس" لضمان أجواء رياضية ممتعة.

أما في مصر، وعلى عكس التجربتين التونسية والمغربية، فيرى الفيومي أنه بعد الربيع جرى تجميد روابط "الألتراس"، وأبرزها مجموعات الأهلي والزمالك، ما أدى إلى انقسام مجتمعي حاد بين من يدافع عن حرية هذه المجموعات، ومن يعتبرها مصدر تخريب بل "كيانات إرهابية". وقد انتهى ذلك إلى اختفاء التنظيم الرسمي لـ"الألتراس" المصرية، مع بقاء الفكرة حية لكن بشكل غير منظم وعشوائي.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

الكوفية الفلسطينية (ميغازين)

من قماش إلى قضية.. الكوفية على كتف العالم

كيف عبرت الكوفية من كتف الفلاح الفلسطيني إلى أعناق المتظاهرين في برلين ومدريد وجامعات أميركا؟ وكيف انتقلت من لباسٍ فلكلوري إلى أيقونة عالمية للمقاومة؟

هند جودة

جين مقدسي وكتابة المذكرات بابًا إلى التاريخ (ميغازين).
جين مقدسي وكتابة المذكرات بابًا إلى التاريخ (ميغازين).

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

ممدوح النابي

لطمي النيل حضور راسخ في الثقافة الشعبية المصرية (ميغازين).

في البدء كان خنوم.. طمي النيل في الثقافة الشعبية المصرية

عن طمي النيل وتشكُّلاته في الذاكرة الشعبية المصرية عبر العصور.

عبد العظيم فهمي

تاجرات ووسيطات عقاريات قبل عشرة قرون (ميغازين).

سمسارات عقارات ووسيطات تجاريات.. النساء قبل عشرة قرون

سيدات الأعمال ونشاطُهُن في العصور الفاطمية والأيوبية والمملوكية

إيناس كمال

فن التلاوة بين ماضٍ عريق وحاضر مأزوم (ميغازين)

فن التلاوة: مِن ماضٍ عريق إلى حاضر مليء بالأزمات

قراءة في رحلة فن التلاوة العريق من ماضٍ حافل بالقراء الكبار، إلى حاضر مليء بالأزمات

هيثم أبو زيد