هل يمكن لفرشاة أسنان أن تُشعر الحضارة بالخجل؟
نمارس طقس تنظيف أفواهنا كل صباح كما لو كان أمرًا بسيطًا، لكن خلف هذه العادة قصة طويلة من المحاولات الإنسانية، من أغصان الأشجار إلى شعيرات النايلون، من المسواك إلى أنابيب الفلوريد. ولعل الأغرب من كل ذلك: أن هذه الأداة البسيطة تكشف أحيانًا مدى هشاشة عالمنا "المتحضّر"، حين نجد من يُحرَم منها في القرن الحادي والعشرين.
دعونا نبدأ من البداية.
ضعوا أنفسكم مكان الإنسان القديم وهو ينزعج من ترسبات فمه الماضغ، وجرّبوا أن تجدوا حلًّا لحيرته في التخلّص من بقايا الطعام من جهة، أو مما يحدثه الماء الآسن في الفم بعد ساعات من النوم!
ذات يوم أخبرتني جدتي أنهم كانوا يفركون أسنانهم ببعض الرمل الناعم النظيف مخلوطًا بالملح! ربما كان ذلك عند انقطاع السواك، وبالتأكيد قبل وصول هذا الاكتشاف السحريّ المسمى فرشاة الأسنان إلى عالمهم الذي استجدّت فيه هذه الأدوات الحديثة لاحقًا!
قد يبدو استخدام رمل البحر لتنظيف الأسنان حلاً بدائيًا، لكنه سرعان ما يتحول إلى تجربة مزعجة؛ إذ يصعب العثور على ماء بحر خالٍ من ذرّات الرمل الدقيقة التي تعلق في الفم ولا تزول بسهولة. مثل هذه التجربة غالبًا ما تترك أثرًا مزعجًا يدفع المرء إلى البحث سريعًا عن ماء عذب للتخلص من تلك البقايا الملتصقة، دون أن يختفي الإحساس بها تمامًا. ومع ذلك، تمضي التجربة كما مضت كثير من المحاولات البدائية قبل اكتشاف أدوات العناية الفموية الحديثة.
لقد بدأت حكاية الإنسان مع فرشاة الأسنان حسبما تقول الأخبار المتناقلة في كتب التاريخ في بابل ومصر قبل الميلاد بـ3500 سنة، باستخدام أغصان الأشجار وذلك عن طريق مضغ أطرافها، لم يكن الأمر بهذه السهولة كما تتوقّع! فليست كل الأشجار مستساغة الطعم، لقد جرّبوا الكثير حتى توصلوا إلى النكهة المناسبة والأثر المقبول!
جُرّبتْ أشجار كثيرة، حتى اعتُمدت بعض الأغصان مثل الجوز، الزيتون، القرفة، والأراك "السواك" وصارت لفترة طويلة من الزمن رفيقة يوم مثالية تُمضغ أطرافها ثم تستخدم لفرك الأسنان وإزالة بقايا الطعام، وكانت تلك العيدان تُحفظ بين ثنيات الثياب!
أما في القرن الثالث عشر، فقد قام رجل صيني باختراع فرشاة أسنان مختلفة عن النباتات الشائعة المرنة إلى حد ما، فقد كانت هذه المرّة خشنة ومصنوعة من البامبو، وقام بعدها بمحاولات أخرى عبر استخدام العظام المتبقية من سيقان الدجاج، بلصق شعيرات من ذيل الخنزير عليها، ولكنها كانت طريقة غير مجدية وسريعة العطب، مما جعل الأمر بحاجة لمحاولات جديدة، وعلى كل حال لم يتوقف الإنسان عن التجريب، ففي القرن الثامن عشر وفي بريطانيا هذه المرة، كان التنظيف يتمّ بقطع قماش مبللة بالماء عليها بعض الملح!
تخيّل الأمر، إنه مرهق حتما أن تقوم بإعادة تعقيم قطع القماش أو التخلص منها بعد كلّ عملية تنظيف، يا له من تعامل غير مستساغ مع عوالق الفم، ثمّ يا له من هدر؟!
في عام 1780 قام المخترع الأول الإنجليزي وليام أديس بابتكار أول فرشاة أسنان ربما تقترب إلى حد ما من الشكل الحديث ولذلك قصة غريبة، فبعد تعرضه للاعتقال عقب قيامه بإثارة بعض التظاهرات في المدينة، قام باستخدام العظام المتبقية من وجباته في السجن عن طريق استعمال أطرافها، وبعد التجريب قام بتثقيب تلك العظام من جهة واحدة وإضافة بعضٍ من شعر الحيوانات الخشن عليها مثل شعر الخيول! والتي كان يقوم بتثبيتها باستخدام مواد لاصقة، تلك الطريقة مثلت بداية جيدة بالنسبة له لقضاء الوقت في شيء نافع بعيدًا عن إثارة الشغب بعد مغادرة السجن، فقد بدأ حال خروجه في تنفيذ مشروعه الخاص في إنتاج هذا النوع وبيعه على نطاق واسع!
في منتصف القرن التاسع عشر، تمّ تحسين فرشاة الأسنان لتشمل ثلاثة صفوف من الشعيرات، تبع ذلك تحسينات أضيفت لتطوير مقابض فرشاة الأسنان بدلًا من العظام والتي تطوّرت إلى استخدام المعادن مع الإبقاء على الاستعانة بشعر الخيل، ولكنها لم تكن مثالية بسبب تجمع البكتيريا فيها وسرعة تعرضها للتعفن. النموذج الصيني يتكرّر!
أما النقلة النوعية في تاريخ الإنسان مع تنظيف فمه فقد بدأت بعد اكتشاف البلاستيك ومن ثم القيام بصناعة مقابض الفرشاة البلاستيكية الشائعة الآن!
كان ذلك في عام 1838 وكانت شركة دوبونت هي من قدّم أول فرشاة أسنان ذات شعيرات مصنوعة من النايلون، وقد بدأ تصنيع فرشاة الأسنان بهذه المواصفات في الولايات المتحدة في عام 1857 ولكن الإنتاج الضخم الذي أدى إلى انتشارها الواسع حدث بعد هذا التاريخ بثمانية وعشرين عامًا
ولا يمكن الحديث عن فرشاة الأسنان دون التعريج على شريكها في عملية التنظيف، ولذلك حكاية لا تقل تشويقًا ولا تجريبًا بالطبع!
كانت بداية ما يمكن أن يسمى معجون الأسنان في مصر، كما يمكنك التخمين، بدأ ذلك باستخدام أخلاط من الملح والفلفل، وأوراق النعناع وزهور السوسن! عمليات معقدة من التجريب والإضافة والحذف والتذوق قبل أن يصل المصريون القدماء إلى مقادير ثابتة قابلة للتناقل والاستخدام على نطاق واسع، أما المرهق في ذلك فهو أن المكونات كانت تصنع بكميات قليلة وتجهّز بالطحن والمزج قبل كل استخدام، ما جعلها عملية تحتاج إلى جهد حثيث لتكرار الأمر كل يوم وربما أكثر من مرة في اليوم!
في القرن التاسع قام زرياب الموسيقي الشهير باختراع أول معجون أسنان، وشاع في الأندلس، ومع أنه لا تُعرف مكونات ذلك المعجون على وجه الدقّة لكنه وُصف بأنه حقق الهدف منه وكان جيّد الطعم! لا أستغرب قيام موسيقي يستخدم فمه وأحباله الصوتية لشيء آخر سوى مضغ الطعام بالبحث الدؤوب وصولًا إلى ابتكار يساعده على جعل أنفاسه الثمينة التي يستخدمها في الغناء منعشة وذات رائحة طيبة، فالفن هو إعادة تدوير مستمرة للجمال، إذن لم تقتصر إضافة زرياب على جعل العود بخمسة أوتار، بل علينا أن نضيف إلى معرفتنا أنه من أهم مطوري معجون الأسنان بالإضافة إلى فن الذوق المسمى "إيتكيت" وبذلك نكون قد اقتربنا من تخيّل طبيعة تلك الشخصية مرهفة الحسّ، والتي أضافت إلى الموسيقى والذوق العام كلّ تلك المآثر والتحسينات، فبدءًا من التلطّف في تناول الطعام عبر تحسين عادات تناوله ومضغه والجلوس إلى المائدة واستخدام المناديل أثناءه لمسح بقاياه من اليدين والشفتين وصولًا إلى التخلّص من بقاياه وأثره في الفم، كان لهذا المبدع العتيق بالغ الأثر خاصّة وهو المغني الشهير الذي ترصد حركاته وسكناته العيون، حتى وصلنا عنه ما تناقله الناس وسجله التاريخ!
حتى الحرب العالمية الأولى كان معجون الأسنان يباع في جرار صغيرة، تستخدم بدفع الفرشاة المبللة بالماء داخلها لالتقاط المادة المنظفة قبل استخدام الفرشاة!
أما في عام 1892 فقد انتبه الدكتور واشنطن شفيلد إلى أن الرسامين يبتاعون الألوان الزيتية داخل أنابيب معدنية وفكّر أنها قد تبدو طريقة مثالية لوضع معجون الأسنان في أنابيب معدنية مشابهة، نفّذ ذلك بالفعل. وقد أحب الناس تلك الطريقة وشاعت وانتشرت على نطاق واسع.
حدث تطوير إضافي لمكونات معاجين الأسنان في خمسينيات القرن العشرين عبر إضافة مادة الفلورايد التي تعزّز حماية مينا الأسنان من النخر المعروف بالتسوّس لأن لها أثرًا ثابتًا ضد التحلل الحيوي للكائنات الدقيقة التي تعيش وتعتاش على بقايا الطعام في الأسنان!
ليس الهدف من هذا الاستعراض التاريخي التسلية أو الاحتفاء بالتطور البشري فحسب، بل تذكير أنفسنا بأن ما نعدّه بديهيًا — كمعجون الأسنان أو فرشاته — ليس كذلك للجميع.
ففي مكانٍ ما، داخل قطاع غزّة المحاصرة، يُجبر الناس على إعادة اكتشاف بدائياتهم... لا لأنهم يرفضون الحداثة، بل لأن الحداثة بكل ما فيها هي التي رفضتهم.
ي قطاع غزّة، تُجبر ظروف الحصار المستمر السكان على استعادة بدائل بدائية في تدبير احتياجاتهم الأساسية، بما في ذلك أبسط أشكال العناية الصحية، مثل تنظيف الفم والأسنان. فبينما تُعتبر فرشاة الأسنان ومعجونها في معظم أنحاء العالم من المسلّمات اليومية التي لا يلتفت إليها أحد، تتحوّل في غزّة إلى ترفٍ نادر، وإلى تمرينٍ على البقاء بأدوات من زمن مضى. هذه العودة القسرية إلى أنماط الحياة القديمة ليست ناتجة عن نقص في المعرفة أو غياب الابتكار، بل عن حرمان ممنهج من الموارد، يُنفّذ ضمن سياسة ترمي إلى نزع الصفة البشرية عن مجتمع كامل، وتجريده من مقوّمات الحياة الكريمة، بدءًا من الكهرباء والماء النظيف، وصولًا إلى الحق في أبسط طقوس النظافة.
ما يحدث هناك يتجاوز بكثير وصف "الحصار" بوصفه عارضًا سياسيًا أو ظرفًا أمنيًا مؤقتًا، بل يرقى إلى كونه نظامًا متكاملًا للعقاب الجماعي، يعيد الإنسان إلى ما قبل الحداثة، لا كخيار بيئي طوعي، بل كفعل قسري مقصود، يُمارَس بتواطؤ عالمي، وتحت سمع وبصر نظام دولي يفاخر بمنجزاته التقنية والأخلاقية، لكنه يعجز ، أو لا يريد، أن يمنح سكان غزة حتى حقهم في الملح والماء.
بملاحظة حكايات الشعوب والاستعمار عبر التاريخ نجد أن هذا النوع من الممارسات ينتهي عادةً بالفشل ولكنه يسبب الصدمات والمعاناة لمن يشهده وللأجيال اللاحقة، ربما لم تنجح حقًّا جريمة التطهير العرقي إلا في الولايات المتحدة الأمريكية بعد قضائها على الهنود الحمر، وهذا ما قد يفسّر كون أمريكا هي الداعم الأكبر لمشروع اسرائيل الاستعماري في فلسطين، ولذلك ما زلنا نرى أنهم يريدون تكرارها فربما ينجحون هذه المرّة أيضًا!
تناقض هائل وغير منطقي يستوجبه بقاء الاحتلال الأخير على وجه الأرض في فلسطين، وتلك الفاتورة التي تدفع كل دقيقة من مجتمع بشري يتعرض لاضطهاد بشع يصل إلى حرمانه من أبسط وأسخف العادات البشرية، والتي يبذل من أجلها الناس أقل جهد في كل مكان في العالم، فلتنظيف أسنانهم عاد الناس في غزّة إلى الطرق القديمة التي تتوافر لهم، ربما مع فرق جوهري وهو توافر فرشاة الاسنان ولكنها صارت بلا قيمة لعدم توافر معجون الاسنان، ونقص أغلب المواد الخام التي قد تسعفهم لتركيبه، فحتى الأشجار تُقطع، والأراضي الزراعية تعرّض أغلبها للتجريف! لكنهم يفعلون في هذا الشأن مثلما يفعلون مع كلّ ما حرموا منه، يستعيدون طرق الأجداد في محاولة التدبير والتعامل مع كلّ نقص، يتمضمضون بالماء والملح، بمنقوع القرنفل، يمضغون أوراق النعناع، يطحنون حبة هيل إن توفّرت بين أسنانهم ويلوكونها!
أما الأكثر بشاعة فهو ما يواجهه الأسرى خصوصًا في السجن سيئ السمعة "سيديه تيمان" فهناك تتجسّد مأساة أخرى، لأنها تتعامل بشكل مباشر مع أجساد المكبلين بالأغلال، مواجهة من المسافة صفر بين الأشرار المنفلتين والضحايا المقيدين! هناك تصطدم بشكل عنيف نقلات الحضارة التي قام بها الإنسان، بإنسان آخر يقيم بابًا فولاذيًّا مصدره ضميره ومرضه النفسي والفكري والأيديولوجي الذي يسمح له بإبقاء المئات في نطاق ضيق أشبه بقفص الحيوانات، معصوبي الأعين، مقيدي الأيدي إلى الخلف ومطأطئي الرؤوس لأسابيع حتى تتشقق ركبهم وتعطب ظهورهم وتترك علامات من الحفر في أيديهم!
حين يخرج الأسرى من سجون الاحتلال، تلمع في وجوههم آثار القهر، لا على أجسادهم فحسب، بل حتى في تفاصيل بسيطة كالفم والأسنان. أتساءل: كيف يعتنون بفمهم وسط الإذلال اليومي؟ هل يجدون ماءً يكفي للمضمضة؟ هل كان لديهم ملح أو سواك أو حتى قطعة قماش نظيفة؟
في ظلال ذلك القيد، تُصبح أبسط العادات، مثل تنظيف الفم، رفاهية فوق المنال، ويُصبح الجسد ساحة أخرى للعقاب.
إذن، ومع اليقين بوجود بشر ما زالوا يمتهنون الإنسان ويفكرون في استعباده تسقط الحضارة البشرية، تسقط روحيًّا حتى لو ظلّت أبراجها وناطحات سحابها وعجائبها السبعة تضيء وتستقبل الزائرين، تسقط حتى لو ظلّت ابتسامات مشاهيرها البيضاء تبرق في الصور والشاشات لألف عام قادمة! تسقطُ ما دامت لا تستطيع إنقاذ مجتمع كامل يتعرّض للسحق العلنيّ، ستظل الحضارة الإنسانية فقيرة وضحلة طالما ظلّ التسلّط والاستقواء ومحاولة محو الآخرين يمارس بهذا الجحود والنكران وبدوافع عنصرية بحتة!
في كل مرة يُمسك فيها إنسانٌ ما بفرشاة أسنانه داخل حمّامٍ نظيفٍ مضاء، ويتردّد بين نكهات المعجون، يُمارس عادةً يومية تُعدّ ثمرة قرون من التراكم الحضاري؛ عادةٌ تبدو بديهية حتى تُقارن بما يُحرم منه ملايين البشر في أماكن محاصرة، حيث لا ماء يكفي، ولا ملح، ولا حتى رفاهية التردد.
ذلك الامتياز الصغير، المغلّف ببلاستيك معقم، يختزل سؤالًا كبيرًا: أي معنى للحضارة حين تعجز عن أن تكون متاحة للجميع؟ كيف يمكن لمنجزات الإنسان أن تبقى شاهدة على إنسانيته، إذا كان بعضها محجوبًا قسرًا عن بشرٍ مثله، لمجرد أنهم وُلدوا في المكان الخطأ، أو تحت الحكم الخطأ؟
تنظيف الأسنان، تلك العادة العابرة، تُذكّرنا بأن ما نعتبره ضروريًا قد لا يكون متاحًا لغيرنا.
وأن ما نفاخر به من تطورٍ، سيظل ناقصًا ما دامت المساواة في أبسط الحقوق — كالماء والكرامة والنظافة — حلمًا مؤجلًا لشعوب بأكملها.
الحضارة، إن لم تكن للجميع، تبقى مشروعًا غير مكتمل. وتاريخ الفرشاة، مهما امتد، لا قيمة له إن ظلّ يُقصي أفواهًا محرومة من أن تبتسم.