الكتابة عن الزواج والجنس، غالبًا ما تبدو جاذبة للقارئ لتناولها ظاهرًا الغريزيَّ المحض. فإذا ارتبطت بالعرب والإسلام، الجماعة والدين، فالأرجح أنها تكتسب المزيد من الجاذبية، ليس فقط لارتباطها بواقع القارئ بمختلف مكوّناته، بل لأنها أيضًا تغوص به نحو ماض تليد لا يستعلم خباياه. فالجنس لا يقتصر تمثُّله على مستوى ممارسة الفرد تجاه الآخر، بل يمتدّ نحو أبعاد اجتماعية وثقافية، بل واقتصادية وسياسية. فهو أكثر الغرائزأثرًا فيحياة الانسان عند سيغموند فرويد رائد التّحليل النّفسي الجنساني. فيما يعتبر الماركسيون أنّ كلّ حاجيات الإنسان تشبع بعلاقة مع الطّبيعة إلّا الحاجة الجنسية فهي تشبع بعلاقة مع الإنسان الآخر، ما يجعل الجنس علاقة اجتماعية في الأصل. والدافع الاقتصادي الاحتياجي أو المصلحة الراهنة بغض النظر عن طبيعتها، ليسا خارجَيْن عن مدار انتشار شكل ما من الممارسة الجنسية أو الزواج.
كثافة الممارسة الجنسية عند العرب قبل الإسلام تُفيد أنها مركّبة: تعدّدٌ في الأشكال، سواء في البيئات الحضرية أو البدوية، مع بقاء الجنس مادة مرتبطة بثنائية المتعة والشرف في المجتمع القبلي. وحين أتى الإسلام لم يتعامل مع الجنس بازدراء، كالمسيحية التي اعتبرته -على الأقل بلسان القديس أوغسطين- عملًا مقرفًا، بل كيّفه باعتباره غريزة فطرية، بل موعودًا بها ضمن ملذات الجنة. فلم يتعالَ عليها ودعا لتصريفها ضمن قواعد ضبط فاصِلُها هو رابطة الزواج كوعاء أصلي للممارسة، وفق شروط فصّلها أهل الفقه، ليُعلن القطيعة مع انفلات أشكال الممارسة قبل الإسلام، وإن ظلّ الارتباك قائمًا حول أشكال الزواج ومدى شرعيتها داخل المنظومة الفقهية نفسها.
أشكال الممارسة الجنسية المندثرة
أشكال المعاشرة الجنسية الزائلة عند العرب متعدّدة، منها ما هو بعيد عن مؤسسة الزواج ومنها ما هو متاخم لها، وتختلف الغاية من شكل لآخر. إذ يعدّ "الاستبضاع" أحد أكثر الأشكال شيوعًا زمن الجاهلية، وهو مبادرة الزوج الذي يريد إن إنجاب ولد يتمتع بصفات علية القوم، بإرسال زوجته بعد تظهرها من الحيض إلى رجل آخر عادة ما يكون فارسًا، ويقول لها "اذهبي إلى فلان فاستبضعي منه"، ولفظ البُضع مرادفه الجماع. ونكاح الاستبضاع يُسمّى كذلك "نكاح الاستفحال" أي طلب الفحولة التي ترتبط بمعاني الشجاعة والقوّة في المجتمع العربي. وهذا النمط لا يستهدف إشباع شهوة بل "تحسين النسل" في سلّم الترتيب المجتمعي. وقد حرّمه الإسلام ليس فقط لارتباطه بإطلاق الممارسة بما يؤدي للفساد بالمعيار الأخلاقي، ولكن بالخصوص لعِلّة اختلاط الأنساب وهو قيد أنتج قواعد صارمة في قواعد الفقه الإسلامي على ما بيّنته أحكام العدّة.
"المضامدة" شكل آخر للمعاشرة اندثر بدوره، لا يستهدف تحقيق الإشباع الجنسي بل الإشباع الجسدي/الغذائي حقيقة لا مجازًا، وهو أن تعاشر المرأة رجلين أو أكثر بسبب جوعها عند القحط ثم تعود لزوجها. وقد رُوي أن زوجة الشاعر أبي ذؤيب الهذلي عاشرت ابن عمه خالد بن زهير، فقال: "تريدين كيما تَضمديني وخالدًا/ وهل يُجمع السيفان ويحكِ في غمدِ؟". ويحيلنا هذا الشكل إلى دافع الحاجة المعيشية في انتشار إطلاق الممارسة الجنسية ماضيًا لا حاضرًا فقط.
"البدل" الذي انتشر زمن الجاهلية يحدث بتبادل مؤقت للزوجات بين رجلين من أجل المتعة الجنسية دون فك لرابطة الزواج ولا عقد لزواج جديد. وهو يحيل حاضرًا لممارسة جنسية منتشرة في البلدان الغربية تعرّف بتبادل الأزواج والزّوجات وهو نوع من الخيانة المتبادلة المتفّق عليها. بل تنتشر في هذه الدول أندية مخصّصة للتّعارف بين الأزواج إذ يتصل كلّ زوج جنسيًّا بزوج غريب على مرمى عينَيْ زوجه الآخر، وتعتمد فرنسا تشريعًا مرنًا يسمح بالتّمييز بين إدارة هذه الأندية وبين القِوادة. وسبق أن أقرّت المحكمة العليا في كندا سنة 2006 قانونية هذه الأندية ما دام الاتّصال الجنسي بين الأزواج يحدث بالتراضي وبلا مقابل.
بيد أن البدل على هذا المعنى إن كان دائمًا لا مؤقتًا يتقاطع مع نكاح آخر عرفه العرب وهو "الشغار" الذي سنتناوله لاحقًا باعتباره شكل زواج بدرجة أولى وليس مجرّد اتصال جنسي محض. في حين أنه من أشكال الاتصال الجنسي المحض ما سُميّ "ﻧﻜﺎﺡﺍﻟﺮﻫﻂ" ﻭﻫﻮ ﻣﻌﺎﺷﺮﺓ رجال لامرأة واحدة وإن حملت ووضعت مولودها تختار أن تُلحق وليدها بمن ترغب منهم.
ولا تقتصر أنماط الممارسة الجنسية المندثرة على الجاهلية بل شملت ما انتشر بعد الإسلام، والحديث رأسًا عن "وطء ملك اليمين" أي وطء النساء اللاتي كان يأسرهنّ المسلمون في غزواتهم وحروبهم، حيث يُستباح لمن بات يملك الفتيات الأسيرات معاشرتهن، وقد انتشر في بلاط الملوك والأمراء خاصةً ما اصطُلح على تسميته "التسَرّي" بملك اليمين أي مجامعتها، فالمرأة توطأ بالمعيار "الشرعي" لسببين: الزواج وملك اليمين. وقد زال هذا الشكل في العصر الحالي لارتباط هذه الممارسة بالرقّ والاستغلال الجنسي.
أشكال أخرى باقية وتتمدّد
أكثر الممارسات الجنسية القديمة التي ما زالت شائعة هي "البغاء"، الذي تنقل المرويات أنه أقدم مهنة في التاريخ، وهو ممارسة تقوم على تسليم الجسد للآخر بمقابل. وقد شاع في مجتمع الجاهلية أن البغيّ كانت "تقحب" أي "تكحّ" إذا رامت دعوة من يطلبونها وإخبارهم أنها جاهزة، ولذلك باتت توصف بصفة ما سبق على سبيل المجاز، الذي طغى على الحقيقة حتى بات في اللغة المعاصرة يصنّف في قاموس الشتائم. والبغاء أو الخناء راهنًا تجيزه عديد من البلدان، ويتقاطع مع مفهوم الزنا في التشريع الإسلامي، وهو كل علاقة جنسية خارج إطار الزواج وملك اليمين، ويختلف جزاء فعله بين غير المُحْصَن أي غير المتزوّج وجزاؤه الجلد، والمحصّن أي المتزوّج وجزاؤه الرّجم، وشروط قيام حدّ الزنا هي تحقّق الإيلاج بشهادة أربعة شهود أو الإقرار. مع ملاحظة أن الزنا في تشريعات عربية معاصرة لا يكون جريمة إلا في حالة ارتباط أحد طرفيه بعلاقة زوجية، إذ لا يمتدّ نطاق تجريمه إلى غير المتزوّجين.
وتظل "المخادنة" من أشكال الممارسة الجنسية الرائجة، وهي معاشرة خليلين معاشرة الأزواج دون عقد ودون نية الزواج، وهي ضاربة في القدم حتى عُرفت بـ"نكاح المخادنة" فذات الخدن هي المرأة ذات الخليل الواحد. وتنتشر المخادنة اليوم عبر المساكنة المستقرّة بين الخليلين، وهي غير مجرّمة بالنسبة للتشريعات العربية التي تتبنى مبدأ حرية العلاقات الجنسية وتشترط الزواج لاعتبار جريمة الزنا، ولكن هذه الممارسة قد تقع، تطبيقيًا، في دوائر التجريم، لإمكانية تكييفها كجريمة بغاء سريّ أو زواج على خلاف الصيغ القانونية. وتزداد تعقيدًا في حالة الإنجاب على نحو يطرح السؤال حول قابلية تكييف هذه الممارسة المستقرّة من كزواج باطل، وهو ما يبقى مشكوكًا فيه لغياب نيّة الزواج. وتعدّ المخادنة في المجتمع الغربي مرحلة تمهيدية تسبق الزواج عادةً، وما زال مسكوتًا عنها في المجتمع العربي رغم تنامي انتشارها.
الزواج: الاسم لا يعكس المسمى دائمًا
إذا ما كانت الرابطة الزوجية حدّ الفصل بين الجائز والمحرّم في التشريع الإسلامي، فقد لحق هذه الرابطةَ أشكال متعددة منها المستجدّ ومنها ما ظلّ يحمل شوائب موروثة من تقاليد مجتمع الجاهلية، على نحو جعل هذه الأشكال عنوانًا رئيسيًّا في مبحث أحكام الفقه قديمًا وحاضرًا. وتَركّز بعضُها على الاتصال الجنسي بدرجة تجعله دافع الرابطة وغايتها في آن، وهو ما يعزّز الارتباك حول مدى تكييفها كرابطة زوجية مكتملة الأركان والشروط.
يحلّ، في هذا المضمار، الحديث عن "زواج المتعة" وهو زواج مؤقت بلا نفقة، إذ تشير مصادر إلى سبق ترخيصه في بغض الغزوات، حتى تحريمه يوم خيبر أو يوم الفتح على نحو جعله محرّمًا في المدونة الفقهية السنية، بخلاف المدونة الشيعية التي تجيزه. هذا وإن ارتبط تأقيت زواج المتعة بمدة سفر بات اسمه "زواج المسفار".
شكل آخر متاخم للسابق هو ما اصطُلح على تسميته بـ"زواج المسيار" الذي تتنازل بموجبه الزوجة عن حقوقها كالسكن والنفقة، وقيل سُمّي بالمسيار لأن الرجل يسير إلى زوجته في أوقات متفرّقة ولا يستقرّ عندها. وهو يُحيل، قديمًا، إلى ما تسمّيه المصادر بـ"زواج النهاريات والليليات" أي أنه يجمع الرجل بزوجته نهارًا دون ليل أو العكس. وقد اختلف أهل الفقه في شرعية زواج المسيار بين من يرى أنّ تنازل المرأة عن حقوقها لا يطعن في اكتمال شروطه وأركانه، ومن يرفضه باعتباره شكلًا لا يحقّق مقصد الزواج في ظل سريته وهشاشة وضع المرأة فيه.
وهو يختلف، في المقابل، عن "زواج السرّ" وهو زواج يتولاه الطرفان بلا شهود وهو باطل في التشريع الإسلامي، وعادة يرتبط بالسعي لشرعنة الممارسة الجنسية بين الطرفين. ويقترب من نوع آخر من الزواج يتحقّق فيه شرط الشهادة ولكن مع كتمانه، وهو يُفسخ عن المالكية ويصحّح عند الحنابلة مع كراهته على نحو ما فصّله وهبة الزحيلي في تفصيل أقوال المذاهب في شأنه.
تتعدّد، في المقابل، أشكال زواج عرفها العرب لم يكن الجنس دافعها ولا غايتها. يتصدّر هذه الأشكال "زواج الضيزن" وقوامه أن الرجلَ إذا مات خلَفه على زوجته ابنه الأكبر أو أخوه، ولذلك سميّ بـ"نكاح الوراثة"، ورغم شهرته زمن الجاهلية فقد كان مستهجنًا فالولد الذي يولد من هذا الزواج يُسمى "مقيت"، وقد حرّم الإسلام هذا النوع من الزواج بتحريم زواج المسلم لزوجة أبيه.
"زواج الشغار" شكل آخر يختلّ فيه المهر، فهو زواج الرجل بابنةِ أو أخت رجل آخر يتزوّج بدوره ابنةَ أو أخت الأول وذلك بدون مبادلة للمهر. ويتقاطع مع ما سماه أبو حيان التوحيدي في الامتاع والمؤانسة بـ"نكاح المساهاة" أي المسامحة، وهو أن يفك الرجل أسر شخص ويجعل إطلاق سراحه صداقًا لأخت الأسير أو ابنته. وفي نفس التصنيف، يحلّ "زواج الخطف"، وهو خطف الزوجة عنوة من أهلها والتزوّج بها دون إرادتهم، وتُعرف المخطوفة زمن الجاهلية بـ"الأخيذة".
في الأثناء، شاع شكلٌ لزواج غايته الالتفاف على تحريم ردّ المطلقة ثلاثًا لمطلّقها، بأن تتزوّج بغريب يطلّقها ثم تعود فتتزوّج بمطلّقها الأول، ويُعرف لذلك بـ"زواج التحليل" وهو محرّم عند جمهور الفقهاء. فهذا الزواج ليس مطلوبًا لذاته ولا يقع معه أي اتصال جنسي بين المرأة والرجل الغريب عنها. وهو في الواقع صنف مِن شكل أعمّ يُعرف بـ"زواج المصلحة" وهو مفهوم عامّ يمكن داخله حصرُ الرابطة الزوجية في دم واحد عبر زواج أبناء العمومة المنتشر في المجتمع القبلي العربي على وجه الخصوص بغاية حفظ ثروة القبيلة وعدم تبديدها في المهور.
الزواج والجنس: رباط متين ولكن..
لا أدلّ على الصلة الوثيقة بين الزواج والجنس مِن اشتراكهما في لفظ "النكاح"، الذي بات يؤدي في ذهن المتلقي المعاصر معنى الوطء الجنسي، والأرجح أن هذا المعنى مجازي فقط وأن معناه الحقيقي عقد الزواج، على ما استقرّ عليه جمهور الفقهاء مِن المالكية والشافعية والحنابلة. وانعكاسًا لمحورية العنصر الجنسي في تمثل المرأة سمّاها العرب بـ"الحُرمة" في أوقات خاصّة ارتباطًا بحياتها الجنسية كالطّمث والحمل والمخاض والولادة. لذلك تعدّدت تعريفات الزواج الفقهية التي تمحورت على الجنس في ذاته، كتعريف ابن عرفة بأنه "عقد معاوضة على متعة التلذذ بآمية"، وهو تعريف موغل في الحطّ من شأن المرأة واختزالها في الشهوة، والحال أن هذه الغريزة مشتركة بين الجنسين أي الذكر والأنثى على حد السواء. ولذلك سعت التعريفات المعاصرة للزواج في المدونة القانونية العربية لتجاوز هذه الشوائب مستعيدة كنهه بوصفه ميثاق رابطة روحية بدرجة أولى، فالمتعة الجنسية هي مقصد طبيعي من بين مقاصد أخرى منها الإنجاب والإشباع العاطفي وتكوين أسرة.
ولكن يبقى الجنس بالنهاية فطرة طبيعية، فيما يظلّ الزواج مؤسسة اجتماعية، وإذا ما كان الديني والأخلاقي في المجتمع العربي يحصر ممارسة الفطرة في هذه المؤسسة، فإنه -على نحو ما فرضته أحكام الطبيعة البشرية والمجتمعات منذ فجر التاريخ- لا يمكن لأي مؤسسة مُحدثة أن تحتكر، ولو بقوة الردع الاجتماعي أو القانوني، ممارسة فطرة ما. تتعلّق الصورة أيضًا، بمنظار القاموس الحقوقي الراهن، والصراع بين الحرية الفردية في احتكار الجسد والحميمي المحض من جهة وبين قواعد الهندسة المجتمعية والأخلاقية عبر أداة الدولة من جهة أخرى. وهو ما يفسّر أن تشريعات عربية معاصرة اختارت -في نهاية المطاف، وبصفة مبدئية- تكريسَ حرية العلاقات الجنسية بين الراشدين باشتراط وجود علاقة زوجية لوقوع جريمة الزنا على خلاف تصوّر التشريع الإسلامي. بل إنّ تشريعات عربية تنظم الخناء العلني بتشريعات وتراتيب مضبوطة، وكلّ ذلك مع تنامي الممارسات الشائعة المعدّلة لمؤسسة الزواج، بعكس تصوّرها التقليدي المحض، بغاية شرعنة الممارسة الجنسية -سواء تجاه الذات أو المجتمع- في نهاية المطاف.