"و(أبو صلاح) في الثامنة والأربعين من عمره، أسمر اللون، ضاحك الوجه لا تفارق الابتسامة شفتيه، ويظل طربوشه منبطحًا إلى الوراء تاركًا جبهته البارزة وذؤابته المنفوشة تطلان على سامعيه في غير كلفة أو اكتراث، وهو غليظ البطن صغير المنكبين، وتتحلى أصابعه بالخواتم الثمينة، ويرتدي الثياب البلدية الغالية الثمن. وحياة هذا الموسيقي الذي نبت في عالم الفن كما تنبت بعض الزهور (الشيطاني) حياة عجيبة حافلة بشتى الصور والألوان".
بهذه الأسطر البسيطة، افتتح عبد الله، محرر مجلة "الدنيا المصورة" الصادرة عن دار الهلال، مقالته عن أبو صلاح المُلقب بـ"ملك الربابة"، بتاريخ الأول من حزيران/يونيو 1930. ويبقى السؤال الأبرز: من هو هذا الرجل، عازف الربابة، الذي خصّصت له الدورية مقالة كاملة؟
الربابة.. رفيقة الرواة وأبطال السيّر الشعبية
لا أظن أن هناك آلة موسيقية ارتبطت بالموروث الشعبي، في الوعي الجمعي المصري، مثل الربابة التي كما لو أنها تحولت، مع الوقت، إلى حنجرة إضافية للراوي. بل وبات من الصعب أن نتخيل السيرة الهلالية أو سيرة عنترة بن شداد أو الزير سالم، دون أن يهمس في الأذن صوت أوتارها. وقبل أن نعود إلى سرد باقي حكاية أبو صلاح، ملك الربابة، لا بد من التوقف عند التعريف المبدئي لهذه الآلة الوترية.
يقول عنها محمد عمران في كتابه "قاموس مصطلحات الموسيقى الشعبية" (2013) إنها "آلة موسيقية وترية تتكون من ساعد خشبي طوله 45 سم تقريبًا وفي نهايته يُثبت مصوت مجهز من ثمرة جوز الهند، مشدود على فوهته رق من جلد الماعز، ويرتكز عليها قنطرة من نبات الثُّمَّار ويمر فوقها وتران من شعر الخيل أو من السلك الصلب أحدهما يُسمى (قَوَّال) وهو الذي يُعفق عليه بأصابع كف اليد اليُسرى، أما الوتر الثاني فيُسمى (رَدَّاد) ويُستخدم مطلقًا دون عفق بالأصابع".
ويكمل عمران "ويسوى الوتران – إلى بعضهما البعض – عن طريق الشد بواسطة مفاتيح، موضعها في الطرف العلوي من ساعد الربابة (وعددها اثنان)، ويصدر الصوت – عن الربابة – بواسطة جر قوس على وتريها. والربابة – على هذا الشكل – معروفة في سائر أنحاء مصر، وتُستخدم في الغناء وخاصة لدى شعراء السيرة الشعبية".
أبو صلاح.. نبوغ مبكر
اسمه الحقيقي صالح أحمد الشاعر. كان أخوه الأكبر شاعرًا قوّالًا يتغنى بقصص أبطال السير الشعبية مثل دياب والزناتي خليفة وأبي زيد الهلالي، على أوتار الربابة. وفي الثامنة من عمره، أُغرم بهذه الآلة الموسيقية، فبدأ في عزف نغماته الفطرية عليها دون قواعد مدروسة أو تربية فنية سليمة. وبعد أشهر قليلة من الاختلاء في المنزل مع هذه الآلة العجيبة، نجح في محاكاة الأخ الأكبر، وبدأت نغماته تملأ أرجاء المنزل طولًا وعرضًا، وشرع في مزاولة الحرفة بعد أن رافق أخيه في لياليه، وسرعان ما نال إعجاب الجمهور حتى صار مطلوبًا على نحو يفوق أخيه. كان لديه استعداد فطري لتعلم النغمات الجديدة كافة، وتوقيعها في سلاسة ومهارة على أوتار الربابة، حتى بات يُشار إليه بالبنان.
إلى هنا، تبدو البداية طبيعية ومنطقية بالنسبة إلى طفل عشق آلة موسيقية وبدأت مظاهر موهبته الفريدة تظهر إلى العلن تدريجيًا. وبمناسبة الشهرة، فالرجل بدأت شهرته تلوح منذ عام 1912، حين احتفت به بعض الصحف الأجنبية ومنها جريدة "ذي اجيبشيان مورنينج نيوز" التي نشرت مقالة بعنوان "المغنّون المتنقلون في مصر"، جاء فيها "إن الأغاني التي عزفها وغناها صالح أحمد الشاعر الربابي العربي كانت من نوع حاد ممتع شائق، بحيث كنا نهتز عند سماعها ونقوم ونقعد كالدراويش حين تأخذهم الجلالة السماوية في حلم سامي التصوير".
ثقافة أبو صلاح الموسيقية الغزيرة
تنقل المقالة السابقة في مجلة "الدنيا المصورة" عن الأديب إدجار جلاد، عام 1927، قوله في جريدة "البورص": "مادة عم صالح الموسيقية غزيرة ومختلفة الألوان، نغمته الغربية تشبه في أنينها وحزنها قطعة مجنون ليلى، وهو يستطيع أن يخرج بأنامله المارشات الحربية والنغمات المتزنة لفرقنا العسكرية، ويقال إن عم صالح يوقع ما يوقع من أجل مزاجه الخاص. ولأشد ما كانت دهشتنا حين سأله أحد رواد القهوة ضاحكًا: (والموسيقى الإفرنجية هل تعرف أن تعزفها؟ أظنها صعبة عليك). فأجابه عم صالح، بتبويزة، ازدراء وقال: (صعبة عليَّ أنا؟ إذن فاسمع). ثم بدأ يوقع (توسكا) فعم السكون الحانة. ودهش الجميع وتولاهم الذهول. وعم صالح يستطيع أن يعزف جميع (الأوبرات) حزينها وفرحها على الربابة بحرارة وبشاشة ومقدرة عجيبة".
وإذا توقفنا عند الفقرة السابقة، نلاحظ أمورًا غريبة: أولًا، إخراج صالح للنغمات الغربية على الربابة. وثانيًا، لا نملك يقينًا كافيًا بشأن منبع أو مصدر تلك الثقافة الموسيقية الغربية التي اكتسبها. فهل كان على دراية شخصية بالثقافة الغربية وفنها؟ لا نعرف. ومن أين أتى بالقُدرة على عزف أوبرات كاملة على آلة بسيطة كالربابة؟ فالمعروف أن قواعد الموسيقى الغربية تحتاج إلى دراسة خاصة ومران متواصل.
الربابة.. مهارة الصانع
تتكون الربابة في صورتها الأولية من مجموعة من الأجزاء المتجانسة مع بعضها البعض. فالباحث المصري حسني عبد الحافظ يشير في دراسة له عن الربابة، نشرتها مجلة "الثقافة الشعبية" صيف 2017، إلى أن تلك الأجزاء هي: الهيكل والطارة والسبيب والكرَّاب والقوس والغزال والمخدة. فالهيكل عبارة عن مربع خشبي يميل إلى الاستطالة، وهو مثقوب من ضلعيه لمرور عصا طويلة تُسمى العنق التي يُرَّكب عليها الوتر. والطارة هي الجلد المشدود على جانبي الربابة من الأعلى والأسفل. والسبيب وهو الشعر المأخوذ غالبًا من ذيل الحصان أو الفرس لصناعة وتر الربابة والقوس.
أما الكرَّاب، فهو المشد الذي يكون في طرف الأبعد من عصا الربابة أو ساقها، وهو الذي يتحكم في ضبط شدة الوتر لتوليد النغمات. والقوس هو المصنوع غالبًا من الخيزران أو عود الرُمَّان ويُطلق عليه أهل الصنعة "السواق". والغزال هي قطعة رفيعة من الخشب توضع على طرف الربابة السفلي فترفعه عن الطارة. وأخيرًا المخدة، وهي عبارة عن قطعة قماش صغيرة توضع تحت الطرف السفلي لوتر الربابة.
وعلى الرغم من هذه الأوصاف الدقيقة التي تخص آلة الربابة وطريقة تثبيت قطعها أو عزفها، فإن المقالة السابقة في "الدنيا المصورة"، لم تتطرق أيضًا إلى ذلك. ويبدو أن المحرر كان حريصًا فقط على إظهار المكانة التي وصل إليها أبو صلاح، دون اعتبارات فعلية لثقافته الفنية أو طبيعة الآلة التي يعزف عليها بشكل شبه يومي.
وعندما سأله المحرر عن الطريقة التي تعلّم من خلالها هذه النغمات وطريقته في العزف، كان جوابه أنها موهبة إلهية، فقد امتلك ذاكرة قوية مكنته من حفظ أية نغمة أو لحن بمجرد السماع. بل نجده يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يلّمح إلى أنه حفظ من النغمات ما هو أعجمي وشامي، وأنه ظل يعزف على الربابة لمدة جاوزت الأربعين عامًا دون أن يلتفت له باهتمام واضح أرباب الأقلام الكبار في الصحافة المصرية. ومع ذلك، كان وراء اهتمام بعض الصحف الأجنبية التي كانت تشيد من حين لآخر بالفقرات والعروض التي يقدمها للجمهور.
مكانة عالية بين الأمراء والمسؤولين
حاولت أن أعثر هنا وهناك على معلومات وافية تخص هذا العازف، صالح أحمد الشاعر، دون جدوى. وصحيح أن هناك من شعراء وعازفي الربابة من نال شهرة واسعة في فتراتٍ زمنية لاحقة، وأخص بالذكر "الريِّس متقال"، لكن لم تقع تحت يدي، حتى لحظة كتابة المقالة، قصاصة تخص الرجل الذي أتينا على ذِكره.
ولكي ندرك المكانة العالية التي وصل إليها، علينا أن نقرأ فقط فقرتين وردتا في المقالة الآنف ذكرها بتوقيع كل من الأمير يوسف كمال، وحكمدار القاهرة رسل باشا. فالأول قدم له دعوة للعزف في السراي الخاصة به في المطرية عام 1924، بينما قدم له الثاني دعوة مماثلة للعزف في منزله.
لقد كانت هذه الصنعة تدر على صاحبها صالح أفندي دخلًا طيبًا قبل أن تنقلب الأمور، حيث كان يحصل على جنيهن يوميًا، أي ستين جنيهًا في الشهر. وكان له من الأولاد أربعة: أكبرهم هو سلامة صالح، ويليه عبد العزيز صالح الموظف بالحكومة، ثم عثمان صالح الذي ورث عن أبيه مهارة العزف على الربابة، ونال قسطًا وفيرًا من التعليم، والأخير هو أحمد صالح.
ولكم كنت أتمنى أن يهتم مؤتمر الموسيقى العربية الأول في القاهرة عام 1932 بهذا الشق من الموروث الشعبي، ويعطي لهذا الرجل فرصة أن يسجل ما حفظه من سير شعبية على أوتار ربابته، وذلك حتى تظل هذه المادة إرثًا للأجيال اللاحقة، أسوة بما تم من تسجيلاتٍ للغناء البلدي في القاهرة (الأستاذ محمد العربي وجوقة المعلم حسن محمد)، وغناء العوالم (الست أنوسة المصرية)، والطبل والمزمار البلدي (الحاج طه أبو مندور)، وكذلك غناء عرب الفيوم (الشاعر محمد طلعت وطائفة من المرددين)، وفرقة أم إبراهيم المحضية، وفرقة الست فاطمة الشامية.
لقد لعب الرواة دورًا بالغ التأثير في نقل السير الشعبية إلى الجمهور المتلقي، إذ كانوا بمثابة الذاكرة المتنقلة التي طافت الشوارع والأحياء، لتنقل لنا عالمًا خاصًا من البطولات والحكمة والمواعظ الإنسانية. تقول عنهم أماني الجندي في مقالةٍ لها بعنوان "رواة الحكي في التراث الشعبي"، نشرتها جريدة الأهرام بتاريخ 14 أيار/مايو 2016: "الراوي هو من تخصص في رواية القصص الشعبي، خاصة الغنائي منه، ويطلق على فئة منهم في مصر، وهم الشعراء الذين كانوا يغشون مقاهي القاهرة، وغيرها من المدن والقرى، في المواسم والأعياد يسامرون الناس بما توافروا عليه من القصص والسير، وكان منهم (الهلالية) رواة السيرة الهلالية، و(العناترة) رواة سير عنترة بن شداد، و(الظاهرية) رواة سيرة الظاهر بيبرس. ومنهم أيضًا (الصيِّيتة) الذين يحفظون القصص الديني المنظوم وينشدونه في المولد النبوي، وموالد الأولياء، وغيرها من المناسبات الدينية".
وهذا النوع الأخير" يتوافر على عدد كبير من القصص الديني مثل (الإسراء والمعراج، وفضلون العابد، وانشقاق القمر، وميمونة) وغيرها. والأداء لديهم جميعًا فعل إبداعي، يقوم على استلهام تراث السيرة الشعبية عبر تواصله الشفاهي، بواسطة التفاعل الحي بين مشاركيه، لتقوية إحساسهم وهويتهم ووحدتهم. وهناك الدكة الخشبية أو الكرسي أو المقطورة، التي يتخذها الراوي مسرحًا، والفترة بين العشاء والفجر عادة هي أنسب الأوقات للأداء لدى رواة السير المحترفين، وما قيل حول طبيعة المكان وتحديد الزمان في أداء السيرة الشعبية يمثل جانبًا مهمًا من القص".
ربما تشير المعلومات الواردة حول أبي صلاح إلى أنه كان أحد الرواة المحترفين الذين عرفوا باسم "الشعراء". فهؤلاء كانوا ينشدون السير الشعبية ويحترفون العزف على الربابة. وكانت رواية السير بالنسبة لهم مصدرًا لكسب العيش.
وبطبيعة الحال، كان هذا المقابل المادي الذي يتحصلون عليه يختلف باختلاف مكانتهم بين الرواة والسياق المكاني الذي ينشدون فيه. واليوم، في ظلّ كل التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية التي نعيشها، لم نعد نلمح هؤلاء الرواة مع ربابتهم إلا في نطاق محدود جدًا، وذلك عندما يمر بائع الربابة في بعض القرى أو الأحياء الشعبية ليعرض بضاعته وهو يعزف وينشد بصوتٍ عذب بعض فصول السيرة الشعبية، ليجذب حوله الأطفال. فهل أصبح الرواة حقًا طيفًا من ماضٍ بعيد؟












