في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وبعد يوم واحد فقط من عملية "طوفان الأقصى"، فرض الاحتلال الإسرائيلي حصارًا مطبقًا على قطاع غزة شمل قطع المياه والكهرباء، ومنع إدخال المواد الغذائية والمستلزمات الطبية والوقود، الذي لم يُسمح بإدخاله إلى القطاع إلا بعد مرور أكثر من شهر، وبكميات محدودة لا تكفي لسد الاحتياجات الأساسية.
رغم ذلك، وفي خضم حرب الإبادة الجماعية التي دخلت عامها الثاني، ظلت حركة السيارات والمركبات في غزة مستمرة، في وقت تُطلق فيه المستشفيات وأجهزة الدفاع المدني والإسعاف تحذيرات متكررة من قرب نفاد الوقود، الأمر الذي يطرح تساؤلًا ملحًا: كيف استمرت حركة المركبات في غزة في رغم عدم توفر الوقود؟
الإجابة تكمن في زيت طهي الطعام، الذي تعد غزة استثناءً في استخدامه. فبينما يقتصر استخدام هذا الزيت في جميع أنحاء العالم على المطابخ، وجد فيه الغزيون بديلًا للسولار والبنزين لتشغيل محركات مركباتهم في ظل الحصار المطبق على القطاع. إنه طريقتهم في مواجهة محاولات الاحتلال قطع شرايين الحياة في غزة، وواحد من ابتكاراتهم الكثيرة للتعايش مع الحصار الذي فُرض عليهم كشكل من أشكال العقاب الجماعي، ردًا على هجوم 7 أكتوبر.
ليست البيئة وإنما الحاجة الملحة
ليست فكرة تسيير المركبات باستخدام زيت الطهي حكرًا على الغزيين فقط، إذ تستخدم العديد من دول العالم، بما فيها الدول المتقدمة، زيت الطهي لتشغيل المركبات بوصفه خيارًا صديقًا للبيئة على اعتبار أن الانبعاثات الناتجة عن احتراقها أقل بنسبة 90 بالمئة من المحروقات التقليدية. لكن ذلك يتم وفق شروط معينة، ولا يشمل جميع أنواع المحركات.
وعلى سبيل المثال، ارتفع استخدام زيت الطهي كوقود في أوروبا لكونه خيارًا صديقًا للبيئة من جهة، وبسبب أزمة الطاقة التي شهدتها الدول الأوروبية بعد غزو روسيا لأوكرانيا من جهة أخرى، حيث صادقت العديد من الدول، مثل فرنسا، على السماح للسائقين باستخدام زيت طهي الطعام وقودًا لسياراتهم.
وعادةً ما تتم العملية من خلال إضافة خزان وقود ثانٍ يسمح للسائقين بالتبديل بين السولار أو البنزين والزيت حسب الحاجة. وعدا عن ذلك، يساعد الخزان الثاني في تسخين الزيت بكفاءة أكبر، مما يقلل من لزوجته. ومع ذلك، يجب على السائقين أن يكونوا حذرين بشأن القواعد المتعلقة بتعديل المركبات قبل اعتماد هذه الطريقة.

لكن في قطاع غزة، الذي يتعرض لحرب إبادة جماعية مستمرة منذ أكثر من عام، فإن الوضع يختلف تمامًا مقارنةً بما سبق، سواء لناحية دوافع استخدام زيت الطهي، أو طريقة الاستخدام. فالغزيون يستخدمونه لعدم توفر أنواع الوقود الأخرى، كما أن المركبات التي تعمل به تنقسم إلى قسمين. أولًا، مركبات قديمة تعود إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الفائت، ويفترض أن تكون تالفة وغير صالحة للعمل. وثانيًا، مركبات تحتوي على خزان وقود مخصص فقط للعمل على الديزل، غير المتوفر طبعًا، ما يدفع السائقين إلى اللجوء لاستخدام زيت الطهي بديلًا له لتشغيل المحرك.
يدرك الغزيون تمامًا الأضرار الناتجة عن استخدام زيت الطهي كبديل عن الوقود التقليدي، سواء على أداء مركباتهم أو صحة السكان والبيئة، إذ يتطلب زيت الطهي عمليات معالجة متعددة ليصبح صالحًا للاستخدام، وهو أمر غير متاح في غزة حتى قبل الحرب. ولذلك، يضطر/يُجبر الغزيون على استخدام الزيت مباشرةً دون معالجة، ما يؤثر سلبًا على صحة السكان والبيئة في القطاع الذي يعاني أصلًا من تلوث هائل بفعل أطنان المتفجرات التي ألقاها الاحتلال الإسرائيلي على القطاع طوال أكثر من عام.
هكذا يجد الغزيون المحاصرون أنفسهم أمام خيارين؛ إما إيقاف مركباتهم تمامًا والاعتماد على السير مشيًا على الأقدام لمسافات طويلة وشاقة، خاصةً أثناء النزوح بسبب القصف أو أوامر الإخلاء المتكررة التي يصدرها جيش الاحتلال، أو اللجوء إلى عربات تجرها الحيوانات، وهذه أصبحت تُستخدم بكثرة لنقل النازحين المثقلين بأمتعتهم وخيامهم من مكان إلى آخر.
ضروري رغم خطره
على الطريق الواصل بين دير البلح وخانيونس، والمزدحم دائمًا بالنازحين، سواء مشيًا على الأقدام أو عبر استخدام المركبات، يمتزج الهواء بانبعاثات سامة ذات لون رمادي بشكل يجعل من الصعب التمييز بين ما إذا كانت هذه الانبعاثات بسبب القصف الإسرائيلي، أو هي دخان منبعث من إحدى المركبات التي تعمل على زيت طهي الطعام.
في هذا الطريق، كان السائق هيثم قديح (27 عامًا) يجهز مركبته للانطلاق بأحد الزبائن بعد أن أشبع معدة محركها بزيت الطهي، الذي كان من المفترض أن تستخدمه زوجته في مطبخها لإعداد الطعام، لكنه اختار بدلًا من ذلك أن يسيّر مركبته من خلاله لنقل النازحين الذين أثقلهم الترحال القسري الذي يتكرر بصورة مستمرة من منطقة إلى أخرى.
وكما شرح سائق التاكسي، لا تتجاوز تكلفة هذه العملية 700 شيكل (ما يعادل 25 دولارًا أميركيًا)، وهي ثمن شراء أربعة لترات من زيت الطهي، أو ما يُعرف باللهجة الغزاوية "السيرج"، الذي يقوم بسكبه يوميًا في محرك مركبته من نوع "مرسيدس" قديمة اشتراها في الحرب مقابل 6000 دولار أميركي، بينما كان ثمنها قبل الحرب لا يتجاوز 2000 دولار، ويُعيد السائق، بلهجة ساخرة، سبب ارتفاع ثمنها إلى زيادة الطلب عليها بعد الحرب.
وإذا ما قارنا بين الكمية نفسها من زيت الطهي والسولار، نجد أن تكلفة تعبئة أربعة لترات من السولار تبلغ 200 شيكل (ما يعادل 70 دولارًا أميركيًا). أما الكمية نفسها من البنزين، فتصل تكلفتها إلى 480 شيكل (أي حوالي 130 دولارًا أميركيًا). وهذه الأسعار الفلكية تُسجّل في السوق السوداء، حيث يُباع السولار والبنزين من قِبل أشخاص يعملون في منظمات دولية، ويستفيدون من حصص الوقود التي تورَّد إلى مؤسساتهم.
وعند العودة بالزمن إلى ما قبل عام من الحرب، سنجد أن الأسعار قد ارتفعت بشكل خيالي. فمثلًا، كانت تبلغ قيمة اللتر الواحد من السولار 7 شيكل (ما يعادل دولارين أميركيين)، بينما لم يتجاوز ثمن البنزين 5 شيكل (أي حوالي دولار ونصف).
ويكرر غالبية سائقي غزة ما يفعله هيثم لتشغيل مركباتهم، مع لهجة تذمر واضحة من الوضع المأساوي الذي يعيشه أبناء القطاع، منهم محمود حسن (30 عامًا) الذي أوضح أن الحرب هي السبب الأول لندرة وجود المحروقات وارتفاع ثمنها. ومع أنه يدرك أضرار هذه العملية على مركبته، من نوع " ميتسوبيشي"، والتي تشمل تعطلها في أي لحظة، وإمكانية حدوث حرائق، بالإضافة إلى الأضرار الصحية والبيئية الناتجة عن حرق زيت الطعام، إلا أنه يجد نفسه مضطرًا للاستمرار بالعمل بهذه الطريقة في ظل عدم وجود بديل آخر.
وفي هذا السياق، أطلقت وزارة الصحة في قطاع غزة تحذيرات للسائقين من استخدام زيت الطهي لتشغيل مركباتهم نظرًا لانعكاساته البيئية والصحية الخطيرة، حيث أعلنت عن وصول عشرات الحالات إلى المشافي بشكل شبه يومي، يعاني أصحابها من أمراض ضيق التنفس "الربو"، مع احتمالية وجود إصابات بأمراض سرطانية.
كيف كان يحصل الغزيين على المحروقات قبل الحرب؟
في 11 أيار/مايو من العام الحالي، أعلن الاحتلال الإسرائيلي، لأول مرة منذ بداية حربه على قطاع غزة، تسليم 200 ألف لتر من الوقود، ما يعادل 52.834 جالونًا، إلى المنظمات الدولية العاملة في القطاع عبر معبر كرم أبو سالم. ولا تمثل هذه الكمية سوى 0.2 بالمئة فقط من حاجة القطاع إلى الوقود شهريًا، أي أنها ليست سوى قطرة في بحر مقارنةً بحاجته الشهرية من الوقود (البنزين والسولار) التي تبلغ ما يقرب من 12 مليون لتر.
وكان القطاع يلبي معظم احتياجاته من الوقود عن طريق مصر، التي كان يدخل منها أكثر من 10 ملايين لتر شهريًا من أصل 12 مليونًا، بينما تصل الكمية المتبقية من دولة الاحتلال. أما بالنسبة إلى الوقود الصناعي اللازم لتوليد الكهرباء، سواء لمحطة التوليد أو للمشافي والمؤسسات الأخرى، فإنه يأتي من خلال دولة الاحتلال أيضًا عبر تنسيق مع قطر منذ سنوات، بكمية تصل 12 مليون لتر شهريًا.

أما اليوم، وبسبب غياب الوقود، فإن سائقي المركبات ليسوا وحدهم الذين يعانون من هذه الأزمة، وإنما المستشفيات التي فقدت قدرتها على استقبال المرضى والجرحى، بالإضافة إلى مركبات فرق الدفاع المدني، التي توقفت معظم عملياتها لعدم توفر الوقود لتشغيل الآليات اللازمة لرفع الأنقاض والبحث عن مفقودين، بسبب القصف الإسرائيلي المستمر على رؤوسهم.
ولذلك، فإن مئات الجثث ما تزال تحت الأنقاض، كما تضطر العائلات إلى استخدام الأيادي والأدوات البدائية البسيطة لرفع الأجزاء الصغيرة من الأنقاض، كما يعاني المواطنون من روائح الجثث المتحللة تحت أنقاض المنازل المقصوفة لعدم تمكن الجهات المعنية من انتشالها منذ بداية الحرب.
بدائل خطيرة
ومع استمرار إسرائيل في منع إدخال الوقود إلى غزة، في وقت يعد فيه ضروريًا لمختلف جوانب الحياة، فإنهم قرروا، وخاصةً في شمال القطاع، البحث عن بدائل تمكنهم من إنتاج وقود يغنيهم عن انتظار ما يسمح الاحتلال بإدخاله إلى القطاع كحل مؤقت خلال الحرب الحالية، حيث نجح عدد من الغزيين في مدينة بيت حانون في جمع النفايات البلاستيكية الضارة التي تملأ الشوارع وحرقها لتحويلها إلى سائل يمكن الاستفادة منه واستخدامه كوقود (سولار).
لكن هذه العملية لها ما لها وعليها ما عليها. فعلى الرغم من أنها تشكل حلًا بديلًا لأزمة قائمة، إلا أنها محفوفة بالمخاطر، ذلك أن جمع المخلفات البلاستيكية من الشوارع وركام المنازل المدمرة، يتم تحت وابل القذائف الإسرائيلية والقصف الذي لا تتوقف عن شمال القطاع.
أضف إلى ذلك أن عملية حرق المخلفات تتم في درجات حرارة عالية جدًا ولمدة ساعات لإنتاج قرابة الـ50 إلى 60 لترًا من السولار والبنزين، مما يشكل خطورة كبيرة على صحة العاملين، إذ تعرّضهم هذه العملية إلى الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي وتلوث الهواء بالسموم الناجمة عن الحرق. لكن هذه العملية تعكس، من جانب آخر، صورة من صور صمودهم أمام الاحتلال، وتعد امتدادًا لما اعتادوا على فعله طوال سنوات من الحصار.










