روت لي صديقة منذ سنوات أن أستاذًا فرنسيًا درّسها في كلية العلوم الإنسانية في قابس، اختصاص أدب وحضارة فرنسية، قال في إحدى محاضراته إن الرحالة الشهير، أبو عبد الله بن بطوطة (1304 – 1368)، قد نزل في منطقة قابس، واستطاب مكوثه فيها لسحر طبيعتها وكرم أهلها، وقد وثّق نزوله بها في رحلاته: "ثم وصلنا إلى مدينة قابس، ونزلنا بداخلها وأَقَمْنَا بها عشرًا لتوالي نزول الأمطار". كما أنشد عنها، بيتًا لابن الجزري (1350 – 1429) بيتًا يتغنى فيه بالمدينة فيقول: لهفي على طيب ليال خلت.. بجانب البطحاء من قابس/ كأن قلبي عند تذكارها.. جذوة نار بيد الڤابس.
وتقع قابس في الجنوب التونسي، وتعتبر من أكثر محافظات البلاد غنى بالثروات الطبيعية، كالأسماك الوفيرة في شاطئ السلام، وواحات التمور في المطويّة والحامّة ومزارع الحنّاء عالية الجودة؛ صنفتها اليونسكو سنة 2008 ضمن التراث الإنساني باعتبارها الواحة البحرية الوحيدة في حوض المتوسط. يعود تاريخها إلى حوالي ثلاثة آلاف عام، أي قبل قدوم الفينيقيين، فضلًا عن الإرث التاريخي المتمثل في الآثار الرومانية في سيدي المهدي، والقرى الأمازيغية مثل مطماطة وتامزرط التي لا يزال سكانها يحافظون على بعض العادات البربرية، ولا تزال بعض العجائز تتكلمن شيئًا من لغتها.
شهد عام 1947، أي تحت الاستعمار الفرنسي، تركيز النواة الأولى للمجمع الكيميائي، ومنذ ذلك التاريخ عرفت المنطقة تحولات بيئية وديموغرافية وتعبئة اجتماعية تستمر إلى حد تاريخ كتابة هذه الأسطر. فمباشرة بعد الاستقلال ذهبت الدولة الوطنية في الستينات إلى جعل كل منطقة تختص في مجال اقتصادي أساسي. ودافع أحمد بن صالح، وهو وزير الصناعة والتجارة لدى الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة (1903 – 2000) نحو تخصّص الساحل في النسيج، واستثمرت الدولة في بناء الفنادق في الوطن القبلي لجلب المستثمرين في السياحة، بينما دار جدل حول قابس بين تخصيصها للصناعة أم السياحة لما تتوفر عليه من جمع نادر بين البحر والواحة والجبال والصحراء. لكن السلطة آثرت أن تذهب في خيار الصناعة، ذلك أن الطبيعة المحافظة لسكان الجنوب ستكون عائقًا أمام النشاط السياحي الذي يتطلب مجتمعًا متحرّرًا إلى حد ما.
لا يزال الكثيرون من أهالي قابس يسمّون الانبعاثات السامّة "البخّارة"، وهي التسمية الشعبية للكبريت، الذي لا يمثل سوى جزءٍ بسيطٍ من المواد السامة والمشعة المستخدمة في إنتاج الحامض الفوسفوري. كما يسمّي كبار السن المجمّع الكيميائي "البرط"، أي الميناء. حين سألت عن سر التسمية عرفت أن الدولة عند شروعها في إنشاء مصانع تحويل الفوسفات أوهمت السكان بأنها بصدد تشييد ميناء تجاري صناعي، دون أن تشير إلى كونها صناعات ثقيلة ستمتد على أكثر من ستة آلاف هكتار، وستؤدي إلى اختلال التوازن البيئي، وإخلاء قسري لأحياء سكنية تم إرغام أهلها على مغادرتها، وانبعاثات غازية بكميات مخيفة وفضلات صلبة مشعّة مثل الراديوم واليورانيوم والكاديوم تقدّر بـ16 ألف طن يوميًا يتم تصريفها في البحر.
تعيش تونس اليوم حالة من الغليان والاصطفاف غير المسبوق وراء أهالي الجهة في مطالبتهم بإغلاق المجمّع الكيميائي وتفكيك وحداته، بعد أن أتى نشاطه الصناعي على أغلب مجالات الحياة في الجهة. وتتوالى الأحداث المتصلة بالجريمة البيئية كل فترة، كان آخرها حالات الاختناق في المعهد الإعدادي بشط السلام يوم 27 أيلول/سبتمبر 2025، والتي أصابت أكثر من ثلاثين تلميذًا نقلوا على جناح السرعة إلى مستشفى الجهة لتلقي الإسعاف.
تفاقم الوضع الصحي والبيئي في المنطقة دفع المجتمع المدني إلى استئناف تحركاته المكثفة، حيث قامت مجموعة "أوقفوا التلوث" (Stop Pollution) بتنظيم ثلاث حملات احتجاجية أمام مقرات الشركة في قابس المدينة، وفي شط السلام وفي العاصمة. رفع المتظاهرون شعارات تصف صبرهم النافد أمام سياسات الحكومات المتعاقبة التي لم تتعدّ الحلول الترقيعية والتسويف، فضلًا عن محاولة خلق الفرقة بين المجموعات الملتزمة بالقضية، وبين المناطق بالتلويح بنقل المجمّع الكيميائي إلى محافظات مجاورة. شهدت الوقفات حضور متضرّرين قدم وجدد من الوضع البيئي، تنقّلوا إلى العاصمة ليقولوا كفى: "نريد أن نعيش.. نريد أن نتنفس هواءً صحيًا.. لا نريد شغلًا ولا تنمية"، بهذه الكلمات تصرخ والدة أحد التلاميذ، بينما يرقد ابنها في المستشفى بسبب الأضرار التي أصابت جهازه التنفسي.
البيئة أم التنمية؟ كلاهما غائب
أمام مشهد السيدة الباكية "نحبو نعيشوا.. نحبوا نتنفسوا هواء نظيف"، خطر في بالي أن أراسل صديقتي ليلى بن حسن وأسأل إن كانت تقطن قريبًا من منطقة التسربات الأخيرة، فجاءني ردها على ماسنجر مقتضبًا مفاجئًا: "لقد غادرت قابس منذ عام.. هربت بجلدي".
كنت قد اطلعت على عدد من الدراسات حول التغيرات المناخية والتلوث الذي يؤدي إلى الهجرة القسرية من البلدان الأكثر جفافًا أو تلك التي تم استنزاف مواردها الطبيعية على مر السنين، لكن لم يخطر في بالي يومًا أن الظاهرة صارت قريبة مني إلى هذا الحد، وأن الإنسان بات ينزح بفعل التلوث حتى داخل رقعة جغرافية صغيرة مثل الجمهورية التونسية.

تعرّف منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" الهجرة المناخية بأنها عمليات الانتقال من منطقة إلى أخرى لأسباب تعود إلى التغيرات المفاجئة أو التدريجية على النظام البيئي أو المناخي، وذلك لأنها تغيرات تؤثر على حياتهم أو ظروفهم المعيشية بشكل سلبي. في لقائنا اللاحق حدثتني عن الحال التي وصلت لها المدينة من انتشار للأمراض والحساسيات بأنواعها: هنالك من فقد صوته تدريجيًا بفعل السموم التي تدخل حنجرته كل يوم، وهنالك عدد لا يحصى من الإصابات بهشاشة العظام داخل كل الشرائح العمرية، والأدهى والأمر أن السرطان صار موضوعًا عاديًا يتحدث الناس عنه في البيوت والمقاهي مثلما يتكلمون عن الخبز والماء.
هي نفسها لم تسلم من الأمراض الناتجة عن التلوث، بالرغم من البعد النسبي لمنطقة مطماطة التي تسكنها عن المجمّع الكيميائي. شخّص الأطباء نوعًا من الحساسية الشديدة التي تنقضّ عليها من وقت إلى آخر، ما دفعها إلى اتخاذ قرار مغادرة المدينة إلى العاصمة رغم عدم موافقة أهلها. حين سألتها عن مسببات الحساسية أجابت باقتضاب مثل العادة: حساسية من كل شيء. لا تستطيع ليلى الاقتراب من النباتات، ولا القطط، الغبار، أنواع من القماش، أنواع لا تحصى من الأطعمة، ماء الحنفية. باختصار، إنها حساسية من الحياة.
تمثل عائلتها تجسيدًا مصغّرًا للمعضلة التي وسمت الجدل الشعبي حول المجمّع الكيميائي، فاثنان من إخوتها يعملان في المجمّع منذ سنوات، ويعارضان أي تحركات قد تدفع نحو إغلاقه أو تقليص نشاطه، ما سيعني الاستغناء عن قسم كبير من اليد العاملة المقدّرة حاليًا بـ4433 عاملًا و439 من الإطارات العليا، بينما تساند هي التحركات الاحتجاجية المطالبة بتفكيك الوحدات، أو فرض إجراءات وبروتوكول صحي بمواصفات عالمية على أقل تقدير.
قرارات تاريخية أم شعبوية
أصدر المجلس الوزاري في العام 2017 قرارًا تلتزم فيه الدولة بجدول زمني لتفكيك المجمّع الكيميائي في قابس على مراحل، يفترض أنه قد تم الانتهاء من تفكيك ثلثي الوحدات بحلول السنة الحالية. قرار يرى النشطاء البيئيون أنه لم يحقق شيئًا سوى دفع المطالبين بحلول عاجلة إلى الارتخاء والثقة في الدولة التي أقرّت لأول مرة بضرورة إيقاف الإرهاب البيئي كما يسميه أهالي قابس. يقول أحد المشاركين في احتجاج 9 تشرين الأول/أكتوبر 2025 أمام مقر المجمّع في العاصمة: "أنا شخصيّا أدركت أن لا شيء من القرار سينفّذ حين بدأ الناس والمسؤولون يرددون أنه قرار تاريخي".
لا يلام المواطنون على ثقتهم في وعود الدولة ممثلة في أقوى رجل في جهازها التنفيذي، وهو رئيس الحكومة يوسف الشاهد آنذاك، إذ لطالما أجهضت كل المبادرات الجدية لتخفيف حدة الجريمة البيئية المرتكبة منذ أكثر من ستة عقود. فالمتابعون يتذكرون المؤتمر الصحفي الذي أقامه المدير العام للمجمع الكيميائي الطاهر خواجة في حزيران/يونيو 2013، حين أقر بخطورة الانبعاثات الغازية والتسريبات السائلة والصلبة في البحر على النظام الإيكولوجي للمنطقة، طارحًا حزمة من الإجراءات الثورية، من بينها إرساء تقنيات حديثة للحد من الانبعاثات واعتماد تحلية مياه البحر للحد من استنزاف المائدة المائية للجهة يفترض تنفيذها على مدة خمس سنوات، لكنه أقيل بعد أسبوعين، بحجة أنه لم يستشر رئاسة الحكومة حول إجراء المؤتمر الصحفي.
المفارقة هذه المرة أن رأس السلطة، الرئيس قيس سعيد يعد من أبرز المتعاطفين مع الحراك البيئي في قابس، ويذكر خير الدين دبيّة، وهو ناشط في "أوقفوا التلوث" أن الرئيس كان كثيرًا ما يخطب في نشطاء الجمعيات حاثًا إياهم على عدم التراخي في المطالبة بوقف الجريمة البيئية في حق منطقتهم، إلا أنه لم يتدخّل لتغيير الوضع منذ توليه للحكم في 2019، بل إن قرارًا حكوميًا وقّع اتخاذه في آذار/مارس من السنة الجارية بزيادة إنتاج المجمّع. وقد وصفت المديرة العامة للمناجم القرار الحكومي الموقّع سنة 2017 بالشعبوي والمستحيل التنفيذ، وهو ما يتعارض مع التصريحات الإعلامية للرئيس نفسه، التي كان آخرها تعليقًا على حالات اختناق التلاميذ بأنه "وقع اغتيال الصحة والبيئة في قابس"، واصفًا استمرار الوضع على ما هو عليه بالجريمة.

سياسات تأبيد الكارثة
فضلًا عن قرار الدولة زيادة الإنتاج داخل الهياكل الصناعية المهترئة نفسها، التي تجاوزت عمرها القانوني بأكثر من عقدين. قامت الدولة التونسية بإمضاء شراكة مع وكالة التعاون الألماني (GIZ) بإرساء منظومة لإنتاج الهيدروجين الأخضر، والتي يرى النشطاء أنها المسمار الأخير الذي سيدق في نعش المدينة، ويدل عندهم أن السلطة قد تخلّت بالفعل عنهم، وقدمت قابس والمناطق المحيطة بها كقربان لتنمية لم يرَ أهاليها أي أثر لها. وتعتبر قابس رغم الفاتورة الباهظة التي تدفعها، ضمن أفقر المحافظات التونسية، وهو ما يعبر عنه المحتجّون برفع شعار "العرق في المناجم والمال في العواصم".
تنص الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي وخاصة ألمانيا على إنتاج تونس حوالي 8 مليون طن من الهيدروجين الأخضر في العام بحدود سنة 2050، أي أكثر من 80% منه معد للتصدير إلى ألمانيا، التي تسعى إلى تعزيز مكانتها كرابع اقتصاد في العالم مع تنقية صناعاتها من الكربون (Decarbonation of the industry) تدريجيًا، لكن على حساب موارد بلدان الجنوب مثل تونس. ومن المعلوم أن إنتاج الهيدروجين الأخضر يستهلك كميات ضخمة من المياه، وحتى اللجوء لتحلية مياه البحر من المنتظر أن يترتب عنه مزيد من التلوث والاستنزاف للاقتصاد الأزرق والثروة البحرية، ومزيد من التبعية التكنولوجية المتمثلة في جلب تقنية التحلية من الخارج بالعملة الصعبة، فضلًا عن كون إنتاج الهيدروجين الأخضر يحتاج إلى أراض شاسعة تقدر بـ500 ألف هكتار، قد تقتطع من الأراضي الفلاحية والرعوية ما سيفاقم التبعية الغذائية التي تعيشها البلاد، حسب الناشط في المجتمع المدني صابر عمار.
الحراك الحالي في قابس يعدّ مختلفًا عن التحركات السابقة، إذ إبان ثورة 2011 قام الأهالي باحتلال المجمّع وإغلاق منافذه وتعطيل الإنتاج لما يقارب الأربع أشهر. كانت تلك ردة فعل تلقائية معممة لدى الشعب التونسي، إذ اتجهت كل شريحة نحو الجسم الذي مثل في مخيالها رمزًا للقهر والديكتاتورية. أما اليوم، فإن الناشط البيئي يلتحم مع العامل البسيط، والبحّار المطرود من بحره مع الأم التي تكاد تفقد ابنها اختناقًا وهو على مقاعد الدراسة، مسقطين من حساباتهم جميع ضروب المهادنة والانجرار وراء محاولات التدجين والوعود الشعبوية، وهو ما ترجموه في شعارهم المباشر والصريح: قابس حرة والمجمّع على برة.
تقول ليلى إن معاناتها مع الحساسية ونزوحها إلى العاصمة، صارا يقرران مكانها في كثير من المسائل ويحددان أولوياتها، فقد اختارت شقة متاخمة لحديقة البلفدير الأكبر في العاصمة رغم ارتفاع سعر الإيجار، وحتى في بحثها عن الوظائف فهي تسأل عن التغطية الصحية والاتفاقيات القطاعية مع الأطباء والصيادلة قبل المرتب والامتيازات الأخرى.
قبل أن أودّعها سألتها عن مدى التزامها بالتحركات الاحتجاجية وكيف تنوي التعريف بوضعيتها ومأساة مدينتها، وهي التي تمارس الكتابة الإبداعية. "أصبحت في القصص التي أكتبها أميل إلى إبراز أثر العنف البيئي في حياة شخصياتي، لعلّي أنجح في إيصال أصواتها، مادمت لم أنجح في تبليغ صوتي الخاص". كما بدأت تفكر في متابعة مرحلة الماجيستير في إحدى التخصصات المرتبطة بالتغيرات المناخية أو الهجرة البيئية.