توصف أهداف التنمية المستدامة (SDGs) بأنها أجندة عالمية أطلقتها الأمم المتحدة عام 2015، كدعوة عالمية لضمان تمتع جميع سكان العالم بالسلام والرخاء بحلول عام 2030، وبناء مجتمعات أكثر سلمًا وازدهارًا.
تتكون هذه الأهداف من 17 هدفًا رئيسيًا و169 مقصدًا فرعيًا، تهدف إلى تحقيق مستقبل أفضل وأكثر استدامة للجميع، من خلال تحقيق غايات بيئية واجتماعية واقتصادية متكاملة، مثل القضاء على الفقر والجوع، تحقيق تعليم جيد وصحة جيدة، حماية البيئة، المساواة بين الجنسين، العمل المناخي، بالإضافة إلى دعوة جميع الدول الفقيرة والغنية والمتوسطة الدخل إلى العمل لتعزيز الازدهار دون الإضرار بكوكب الأرض، وتناولت قضايا الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية الأوسع نطاقًا.
واستُرشد في وضع أهداف التنمية المستدامة بمشاورات ومفاوضات مكثّفة بين الدول الأعضاء وأصحاب المصلحة والمجتمع المدني، مع التركيز على الشمولية والشراكة العالمية.
ويصاحب كل هدف غايات ومؤشرات محددة لتسهيل الرصد وضمان تحقيق تقدم ملموس، ويُعدّ هذا الإطار لتتبع التقدم أمرًا بالغ الأهمية للمساءلة وتحديد المجالات التي تتطلب جهودًا إضافية.
وارتكزت أهداف التنمية المستدامة على مبدأ العالمية، إذ لم تُصمّم لفئة مختارة من الناس، بل تنطبق على جميع البلدان بغض النظر عن مستوى تنميتها، للتأكيد أن التنمية المستدامة ليست قضية محلية، بل هي تحدٍّ عالمي يتطلب عملًا جماعيًا.
ولتحقيق هذه الأهداف لا بد من التوفيق بين ثلاثة عناصر أساسية وهي: النمو الاقتصادي، الإدماج الاجتماعي، وحماية البيئة، وجميعها عناصر مترابطة وحاسمة لرفاهية الأفراد والمجتمعات. ومع اقتراب الموعد النهائي، يُطرح سؤال مهم: هل يسير العالم على الطريق الصحيح لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030؟
مسار تاريخي
نشرت اللجنة العالمية للبيئة والتنمية (WCED) تقريرًا بعنوان "مستقبلنا المشترك" في العام 1987، وعُرفت الوثيقة باسم "تقرير برونتلاند"، نسبةً إلى رئيسة اللجنة، غرو هارلم برونتلاند، وقد وضع التقرير مبادئ توجيهية للتنمية المستدامة كما تُفهم اليوم.
وذكر "تقرير برونتلاند" أن المشكلات البيئية العالمية الحرجة ناجمة في المقام الأول عن الفقر المدقع في دول الجنوب وأنماط الاستهلاك والإنتاج غير المستدامة في دول الشمال، ودعا التقرير إلى استراتيجية تجمع بين التنمية والبيئة، وهو ما يُعرف الآن بمصطلح "التنمية المستدامة".
وعرّف التقرير التنمية المستدامة بأنها "التنمية التي تُلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها"، وفي عام 1989 نوقش التقرير في الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي قررت تنظيم مؤتمر للأمم المتحدة حول البيئة والتنمية.
شهدت قمة الأرض التاريخية، والتي عقدتها الأمم المتحدة في ريو دي جانيرو بالبرازيل عام 1992، إعلان اعتماد جدول أعمال القرن 21، وهو توافق عالمي رسمي في الآراء بشأن التنمية والتعاون البيئي، سعت الأمم المتحدة من خلاله إلى مساعدة الحكومات على إعادة التفكير في التنمية الاقتصادية وإيجاد طرق لوقف تلويث الكوكب واستنفاد موارده الطبيعية.
وفي عام 2000 أقرت قمّة الألفية في نيويورك الأهداف الإنمائية الثمانية للألفية (MDGs)، والتي ركزت على الصحة الجيدة والتعليم الجيد ومكافحة الفقر المدقع والجوع.
وبعد 20 عامًا من انعقاد القمة، انعقد في ريو مجددًا عام 2012، مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، المعروف أيضًا باسم ريو +20، ونتج عن هذا المؤتمر وثيقة تحتوي على خطوات واضحة وعملية لتنفيذ التنمية المستدامة، وقررت الدول الأعضاء في المؤتمر إطلاق عملية لوضع مجموعة من أهداف التنمية المستدامة، بناءً على الأهداف الإنمائية للألفية والتركيز على أجندة التنمية لما بعد عام 2015.
أخيرًا، وفي عام 2015، اجتمع أكثر من 150 من قادة العالم في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وأصدرت قمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة خطّة عمل 2030 وإعلان أهداف التنمية المستدامة الـ17.
سباق مع الزمن
من خلال تحديد غايات ومؤشرات واضحة، تسعى أهداف التنمية المستدامة إلى توفير خارطة طريق لتحقيق التنمية المستدامة وتحسين جودة الحياة عالميًا. ولتحقيق ذلك، برزت الحاجة إلى آليات رصد فعّالة لمتابعة تنفيذ الأهداف وفعاليتها، بما يضمن الشفافية والتحسين المستمر، ومن ضمن هذه الآليات إصدار تقارير سنوية توضّح مسار تقدم كل هدف، وتحديد نسبة إنجازه، والتحديات التي تواجه نجاحه.
يمثل تقرير أهداف التنمية المستدامة لعام 2025، التقييم السنوي العاشر للتقدم العالمي المُحرز نحو تحقيق خطة التنمية المستدامة. ويُشير التقرير إلى أنه وبالرغم من أن أهداف التنمية المستدامة حسّنت حياة ملايين البشر، إلا أن وتيرة التغيير الحالية لا تكفي لتحقيق جميع الأهداف بالكامل بحلول عام 2030.
ويكشف التقرير عن مكاسب تنموية مهمة خلال العقد الماضي، فمنذ عام 2015، قطع العالم أشواطًا ملحوظة في توسيع نطاق الحصول على التعليم، وتحسين صحة الأم والطفل، وسد الفجوة الرقمية.
وقد أدت جهود الوقاية الفعالة إلى خفض أعباء الأمراض المعدية، مثل فيروس نقص المناعة البشرية والملاريا، بشكل ملحوظ، واستمرت إمكانية الحصول على الكهرباء في النمو، وأصبحت الطاقة المتجددة الآن أسرع مصادر الطاقة نموًا في جميع أنحاء العالم.
ومع ذلك، ظل التقدم هشًا وغير متكافئ، إذ لا يزال الملايين يعانون من الفقر المدقع والجوع وسوء السكن ونقص الخدمات الأساسية، ولا تزال النساء وذوو الإعاقة والمجتمعات المهمشة تواجه تحديات هيكلية، كما أن تصاعد الصراعات، وفوضى المناخ، وتزايد التفاوتات، وارتفاع تكاليف خدمة الديون، كلها عوامل تعيق تحقيق المزيد من التقدم.
تشير أحدث البيانات المتاحة - بحسب التقرير - إلى أن 35% فقط من الأهداف تسير على الطريق الصحيح أو تحقق تقدمًا معتدلًا، في حين أن ما يقرب من نصفها يتحرك ببطء شديد، مع تراجع وتيرة 18% منها بشكل واضح.
التقدم في ظل الشدائد
على الرغم من التحديات العالمية المتتالية، يوثّق تقرير أهداف التنمية المستدامة في نسخته الأخيرة، إنجازات عالمية بارزة، حيث انخفضت الإصابات الجديدة بفيروس نقص المناعة البشرية بنحو 40% منذ عام 2010، كما حالت الوقاية من الملاريا دون وقوع 2.2 مليار حالة، وأنقذت 12.7 مليون حياة منذ عام 2000.
وبحسب التقرير تغطي الحماية الاجتماعية الآن أكثر من نصف سكان العالم، بزيادة ملحوظة عن عقد مضى، إذ التحق 110 ملايين طفل إضافي بالمدارس منذ عام 2015، كما شهد زواج الأطفال تراجعًا، مع استمرار التحاق المزيد من الفتيات في المدارس، وحصول النساء على مكانة مرموقة في البرلمانات حول العالم وصلت إلى 27.2% من مقاعد البرلمانات الوطنية، بزيادة قدرها 4.9% عن عام 2015.
كما ارتفع متوسط العمر الصحي المتوقع بأكثر من خمس سنوات بين عامي 2000 و2019، ومع ذلك، عكست جائحة كوفيد-19 بعض هذه المكاسب، حيث خفضت متوسط العمر المتوقع بمقدار 1.8 سنة.
ومن حيث الخدمات المقدّمة 92% من سكان العالم حصلوا على الكهرباء في عام 2023، ومن المتوقع أن تتجاوز الطاقة المتجددة الفحم كمصدر رئيسي للكهرباء نهاية هذا العام لتصبح أسرع مصادر الطاقة نموًا اليوم. كما ارتفعت نسبة استخدام الإنترنت من 40% في عام 2015 إلى 68% في عام 2024،
ويغطي النطاق العريض للهاتف المحمول بتقنية الجيل الخامس 5G الآن 51% من سكان العالم، مما يتيح فرصًا أكبر للحصول على التعليم والوظائف والمشاركة المدنية. وأدت جهود الحفاظ على البيئة إلى مضاعفة حماية النظم البيئية الرئيسية، مما ساهم في تعزيز قدرة التنوع البيولوجي العالمي على الصمود.
حقائق قاسية
وفي الوقت ذاته، يلفت التقرير الانتباه إلى التحديات التي لا تزال تعيق تقدم التنمية المستدامة، إذ لا يزال أكثر من 800 مليون شخص يعيشون في فقر مدقع، وبدون تسريع ملحوظ في الجهود المبذولة، سيظل 8.9% من سكان العالم يعيشون في فقر مدقع بحلول عام 2030، تحت خط الفقر الدولي المُعدَّل، وقد واجه واحد من كل 11 شخصًا حول العالم الجوع في عام 2023.
كما يفتقر مليارات الأشخاص إلى مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي والنظافة الصحية، ففي عام 2024، كان 2.2 مليار شخص يفتقرون إلى مياه شرب مُدارة بأمان، و3.4 مليار شخص يفتقرون إلى خدمات صرف صحي مُدارة بأمان، و1.7 مليار شخص يفتقرون إلى خدمات النظافة الأساسية في منازلهم، كما يعيش 1.12 مليار شخص حول العالم في أحياء فقيرة أو مستوطنات عشوائية تفتقر إلى الخدمات الأساسية.
ودفع تغيّر المناخ عام 2024 ليكون العام الأكثر حرارة على الإطلاق، حيث تجاوزت درجات الحرارة مستويات ما قبل الثورة الصناعية بمقدار 1.55 درجة مئوية، كما تسببت النزاعات في وفاة ما يقرب من 50 ألف شخص في عام 2024، وبحلول نهاية ذلك العام، نزح أكثر من 120 مليون شخص قسرًا، كما ارتفع عدد اللاجئين العالمي إلى 37.8 مليون بحلول منتصف عام 2024.
عقبة التمويل
هناك العديد من العوامل الرئيسية التي تعوق تحقيق أهداف التنمية المستدامة، بما في ذلك نقص التمويل، إذ تواجه العديد من البلدان ضغوطًا ماليّة في تنفيذ السياسات المتوافقة مع أهداف التنمية المستدامة. تُقدّر الأمم المتحدة أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDG) بحلول عام 2030 سيتطلب أكثر من 5 تريليونات دولار سنويًا، وهو مبلغ لا يُمكن أن يأتي جميعه من الحكومات.
كما أن عدم المساواة العالمية يرجّح كفّة الدول المتقدمة نحو تحقيق الأهداف بشكل أسرع من الدول النامية التي تكافح المزيد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية، عدا عن تأثير الأزمات العالمية، مثل جائحة كوفيد – 19، وتغيّر المناخ، والصراعات الدولية، على جهود التنمية المستدامة وإبطاء تقدّمها بشكل واضح.
يخلص تقرير "تمويل التنمية المستدامة 2024: تمويل التنمية عند مفترق طرق" إلى أن تحديات التمويل تُعرّض أهداف التنمية المستدامة والعمل المناخي للخطر، ولا تزال فرصة إنقاذ أهداف التنمية المستدامة ومنع كارثة مناخية سانحة، لكنها تتلاشى بسرعة.
ويتعيّن على الدول النامية سد فجوة تمويلية سنوية قدرها 4 تريليونات دولار أميركي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، في الوقت الذي تواجه فيه عبء خدمة ديون قدره 1.4 تريليون دولار، ويمثّل هذا زيادةً بأكثر من 50% عن تقديرات ما قبل الجائحة. كما تدفع الدول النامية في المتوسط ضعف ما تدفعه الدول المتقدمة كفوائد على إجمالي ديونها السيادية، ويفتقر العديد من الدول إلى إمكانية الحصول على تمويل ميسور التكلفة، أو تعاني من ضائقة مالية.
فعالية السياسات
تشير دراسة جديدة إلى أن نصف حكومات العالم تُخاطر بتقويض التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، مما يثير تساؤلات مُلحة حول اتساق السياسات وفعاليتها مع اقتراب الموعد النهائي المحدد في عام 2030. ورغم الالتزام العالمي بهذه الأهداف، لم تُنفّذ سوى 21% من الدول سياسات تدعم تحقيقها بفعالية، في حين تُواجه الأهداف البيئية والحوكمة أكبر التحديات.
وتوصلت الدراسة إلى أن السياسات التي تستهدف رفاهة الإنسان تظهر أكبر قدر من النجاح، حيث تعمل 39% إلى 56% من البلدان على تحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالقضاء على الفقر، والصحة، والتعليم، والمساواة بين الجنسين.
وتواجه الأهداف البيئية والحوكمة عقبات شديدة، حيث إن 71% من البلدان لديها سياسات تعوق التقدم في الحياة على الأرض، و53% منها في مجال السلام والعدالة والمؤسسات القوية، و52% في مجال الاستهلاك والإنتاج المسؤولين.
لا يزال اتساق السياسات يُمثل مشكلةً جوهرية، إذ تُسهم العديد من السياسات في تحقيق هدفٍ واحدٍ بينما تُقوّض أهدافًا أخرى. وتُظهر الدراسة أن ثلث أهداف التنمية المستدامة فقط يُظهر ارتباطًا إيجابيًا في فعالية السياسات. وتؤكد هذه النتائج على الحاجة إلى أطر سياسية أكثر تماسكًا وتوازنًا لضمان التقدم الشامل وتسليط الضوء على الحاجة الملحة إلى معالجة العواقب غير المقصودة الناجمة عن النهج المجزأة.
ويُعدّ تعزيز الحوكمة الشاملة والتشاركية أمرًا أساسيًا لتحقيق التنمية المستدامة؛ كما يشكّل تعزيز حقوق الإنسان، ومكافحة الفساد، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وضمان المشاركة الفعّالة لجميع أصحاب المصلحة، عوامل أساسية لتهيئة بيئة مواتية للتنمية المستدامة.
ماذا يعني الفشل؟
إن الفشل في تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030 سيُخلّف عواقب وخيمة على العالم اقتصاديًا واجتماعيًا وبيئيًا، وستؤثر على مختلف جوانب الحياة. وتظهر التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية باتساع فجوة التفاوت الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة العالمية، وارتفاع مستويات الفقر، والتفاوت في الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية، وتزايد الصراعات الاجتماعية، وعدم المساواة.
أما التأثير البيئي فيتمثل بتسارع ظاهرة الاحتباس الحراري، والتغيرات المناخية المتطرفة، وارتفاع مستويات التلوث البيئي، وتدمير النظام البيئي، وانقراض الأنواع بسبب الاستغلال المفرط لموارد الأرض.
إن معالجة تغير المناخ والتدهور البيئي أمر بالغ الأهمية، فالظواهر المناخية، مثل أنماط الطقس المتطرفة وارتفاع منسوب مياه البحر، تُهدد التنمية العالمية، ويُعدّ التخفيف من آثار تغير المناخ، وتعزيز الاستهلاك والإنتاج المستدامين، وحماية التنوع البيولوجي، جزءًا لا يتجزأ من تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وعلى الرغم من هذه التحديات، ثمّة فرصٌ لتسريع وتيرة التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، فالتطورات في التكنولوجيا والابتكار وتحليل البيانات تُعزز جهود الرصد والتقييم والتنفيذ.
إضافةً إلى ذلك، يُمكن لتعزيز الشراكات والتعاون بين الحكومات والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص الاستفادة من الموارد والخبرات والشبكات لدفع مبادرات التنمية المستدامة قُدُمًا. إن تبني نهجٍ شامل ومتكامل للتنمية، يُراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، أمرٌ أساسي لتحقيق رؤية أهداف التنمية المستدامة وضمان عدم تخلف أحد عن الركب.